مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقبلة، يعود النقاش حول طبيعة النخب التي تنتجها الانتخابات المغربية ليطرح نفسه مثيرا وبإلحاح لحدود تأثير الهندسة الانتخابية والدوائر الترابية وشبكات النفوذ المحلي في صناعة المرشحين والبرلمانيين. وبينما يفترض دستوريا أن النائب البرلماني يمثل الأمة ويمارس أدوارا تشريعية ورقابية وطنية وذات طابع شامل لمختلف أنحاء الوطن، تكشف الممارسة الانتخابية عن حضور قوي لمنطق الدائرة والخدمات والوساطات المحلية، بما يطرح سؤالا مركزيا: هل تساهم القواعد الانتخابية الحالية في إنتاج «نائب برلماني خدماتي» أكثر ارتباطا بمصالح دائرته، بدل نائب يحمل مشروعا سياسيا وطنيا؟.
رضوان اعميمي، أستاذ القانون الإداري بجامعة محمد الخامس بالرباط يرى أن الهندسة الانتخابية المغربية تميل إلى إنتاج نائب شديد الارتباط بدائرته وشبكاتها المحلية، أكثر من إنتاج نائب يُنتخب أساسا بناء على مشروع سياسي وطني، موضحا أن هذا الأمر لا يرتبط بالتقطيع الترابي وحده، وإنما بتفاعل نمط الاقتراع والقاسم الانتخابي وضعف الوساطة الحزبية وثقل النخب المحلية وخصوصيات المجال القروي وكذا التمثلاث الاجتماعية القديمة التي تصنف عضوية البرلمان ضمن تمظهرات الوجاهة الاجتماعية وخاصة الوجاهة المادية.
وفي السياق نفسه، يعتبر الباحث في الفعل السياسي وتدبير قضايا التراب، إبراهيم أونبارك، في حديث مع جريدة “العمق”، أن ضعف الكفاءة السياسية والتدبيرية، إلى جانب النفوذ المحلي، ساهم في جعل بعض المنتخبين أقرب إلى مدبرين يوميين للمصالح والخدمات من كونهم حاملي مشاريع تنموية متكاملة.
ومن جهته، يضع اعميمي هذه المفارقة بين الوضع الدستوري للنائب وشروط إنتاجه انتخابيا بناء على أن النائب يستمد نيابته من الأمة، لكنه يصل إلى البرلمان عبر دائرة ترابية محددة، ما يدفعه، بحسبه، إلى بناء «رابطة انتخابية» قوية مع الناخبين المحليين. وكلما ارتبط بقاؤه السياسي بسمعته المحلية وقدرته على الاستجابة لمطالب أفراد وجماعات محددة، زاد اهتمامه بالتدخلات والخدمات المحلية على حساب المشروع الحزبي الوطني.
أما أونبارك، فيذهب أبعد في تشخيص هذه العلاقة، معتبرا أن الانتخابات المغربية راكمت تجربة مهمة في ترسيخ التعددية، لكن هذا المسار ظل مصحوبا بسلوكات مرتبطة بالمصلحة الخاصة والبيروقراطية والنفوذ، مما أفرغ، في نظره، جزءا من الممارسة الانتخابية من قدرتها على إنتاج نخبة سياسية ذات كفاءة.
وفي قلب هذا النقاش يبرز القاسم الانتخابي. فاعميمي في تصريحه لـ”العمق”، يرى أن احتسابه على أساس عدد المسجلين، إلى جانب قاعدة أكبر البقايا، عزز مركزية رؤساء اللوائح وشخصنة المنافسة، ودفع الأحزاب إلى البحث عن مرشحين يمتلكون نفوذا محليا وقدرة على تعبئة الأصوات. بينما يعتبر أونبارك أن القاسم الانتخابي، رغم مظهره المرتبط بتوسيع التعددية، ساهم في إنتاج خريطة حزبية مفككة لا تتيح دائما أغلبية قوية ومنسجمة قادرة على تنفيذ البرامج التي قدمتها للناخبين.
ويمتد النقاش إلى التقطيع الانتخابي نفسه. فاعميمي يحذر من تفاوت الوزن التمثيلي للصوت بين الدوائر، بسبب غياب حد رقمي ملزم للفوارق السكانية وعدم وجود آلية مستقلة ودورية لإعادة التوازن، داعيا إلى الجمع بين العدالة الديمغرافية والإنصاف المجالي. أما أونبارك، فيرى أن التقسيم الترابي قد يفرز بدوره تناقضات في تركيبة المجالس وقدرتها على تنفيذ البرامج التنموية، بما يجعل بعض المشاريع رهينة بتدخل السلطة المحلية أو المركزية.
وفي ملف التزكيات، يلتقي الباحثان عند تنامي وزن المرشح المحلي. فاعميمي يحذر من تحول التزكية الحزبية من تعاقد سياسي وبرنامجي إلى مجرد إطار انتخابي يستفيد منه المرشح المحلي للوصول إلى المقعد. بينما يعتبر أونبارك أن الأحزاب، في حالات عديدة، باتت تبحث عن مرشحين يضمنون الفوز من خلال تعبئة العائلات والأحياء والقبائل والاعتماد على المال والأعيان وذوي النفوذ، ما أدى إلى اختزال المؤسسات الحزبية في الأشخاص بدل البرامج.
ولا يرى اعميمي أن اهتمام النائب بدائرته أمر سلبي في حد ذاته، إذ يميز بين التمثيل الترابي المشروع وخدمة الدائرة بالوسائل المؤسساتية، وبين الزبونية الانتخابية القائمة على المنافع والوساطات مقابل الولاء. فالمشكلة، في تقديره، تبدأ عندما يتحول النائب من ممثل للأمة إلى «نائب خدمات».
ويحذر أونبارك بدوره من أن استمرار هذا المنطق قد يعمق هيمنة المصلحة الخاصة على المصلحة العامة، ويحول المؤسسات المنتخبة إلى ساحات للصراع حول النفوذ والمصالح، بدل أن تكون فضاءات لصناعة السياسات العمومية.
وفي المقابل، يطرح اعميمي مخرجا يقوم على إنتاج «نائب للأمة من بوابة دائرته»، أي نائب ينطلق من حاجات السكان، لكنه يحولها إلى تشريع وميزانية ورقابة وسياسات عمومية، بدل اختزالها في التدخلات الشخصية وشبكات الولاء. فيما يدعو أونبارك إلى أحزاب قادرة على تكوين مناضليها في بناء مشاريع تنموية متكاملة وإنتاج نخب تمتلك الكفاءة السياسية والتدبيرية، بدل الاكتفاء بمرشحين يتقنون الخطاب الشعبوي والصراع الانتخابي.
المصدر:
العمق