أثار تموقع الصندوق المهني المغربي للتقاعد (CIMR) داخل رأسمال شركة منجمية مدرجة انتباه الفاعلين، وفقاً لما تشهده الساحة الاقتصادية والمالية في المغرب من تحول يعكس دينامية تطبع أداء المؤسسات الاستثمارية الكبرى في بورصة الدار البيضاء، خصوصاً مع دخول صناديق التقاعد مرحلة الاستثمار المؤسساتي النشط والسيطرة المباشرة على المقاولات المدرجة.
وتتجلى أبعاد هذا التحول في القرار الأخير الصادر عن مجلس المنافسة، الذي منح الضوء الأخضر لعملية تركيز اقتصادي هامة تعيد تشكيل هيكلة الملكية داخل أحد أعرق الفاعلين في قطاع التعدين والنشاط المنجمي بالمملكة، وهي الشركة المنجمية لتويسيت (CMT).
ففي 13 يوليوز 2026 اتخذت اللجنة الدائمة للمجلس ذاته برئاسة أحمد رحو قراراً حاسماً بالترخيص لعملية التركيز الاقتصادي المتعلقة بتولي شركة “Ayrad Group Limited” المراقبة المشتركة لشركة “Compagnie Minière de Touissit SA” إلى جانب الصندوق المهني المغربي للتقاعد (CIMR)، معلنة بذلك دخول الصفقة مرحلة النفاذ القانوني.
وبدأت الملامح الرسمية لهذه العملية الاستثمارية حينما نشر المجلس، في 07 ماي 2026، بلاغاً يتعلق بتبليغ العملية، موضحاً أنه يضع رهن إشارة العموم “ملخصها” الذي يتضمن المعلومات الموجهة من قبل الأطراف المعنية.
وتضمن الملخص تحديد الجهات المقتنية في كل من شركة “Ayrad Group Limited” والصندوق المهني المغربي للتقاعد (CIMR)، بينما حددت الجهة المستهدفة في شركة “Compagnie Minière de Touissit S.A”، حيث حُدِّدت طبيعة العملية في تولي “المراقبة المشتركة” ضمن قطاع الصناعة المنجمية، وتحديداً إنتاج مركّزات الرصاص والزنك الحاملة للفضة.
ويأتي حسم مجلس المنافسة ليتوج مساراً استثمارياً بدأ قبل شهور، وتحديداً في مارس 2026، حينما اقتنت مجموعة “Ayrad” المتمركزة بالإمارات كامل حصص صندوق “أوسيد” (OSEAD Fund) في صفقة ضخمة بلغت 130 مليون دولار؛ وهي الخطوة التي مكّنت المشتري الجديد من حيازة مساهمة غير مباشرة قدرها 37.04 في المائة في رأسمال الفاعل المنجمي المغربي، مع طي صفحة العديد من الخلافات القضائية التي كانت تواجهها الشركة.
وبموجب الهندسة المالية للاتفاق المصادق عليه ستشهد خريطة الملكية إعادة توزيع للنفوذ، إذ ستستقر حصة “Ayrad Group” عند 37.04 في المائة من أسهم الشركة، بينما سيعزز الصندوق المهني المغربي للتقاعد موقعه كمالك مشترك بزيادة حصته الاستثمارية لتصل إلى 16.12 في المائة، بعدما كانت 14.41 في المائة، وهو ما يمهد الطريق قانونياً لإطلاق عرض عمومي إجباري للشراء (OPA) يستهدف المتبقي من أسهم CMT في البورصة، فور الحصول على ضوء أخضر جديد من الهيئة المغربية لسوق الرساميل (AMMC).
ويطرح هذا التطور التنظيمي والمالي تساؤلاً جوهرياً لدى المحللين الماليين: لماذا يقرر صندوق تقاعد مثل (CIMR) الانتقال من دور “المستثمر الأقلي الهادئ” إلى المشاركة الفعالة في السيطرة المباشرة على شركة منجمية مدرجة انطلاقاً من المراقبة المشتركة؟.
تكمن الإجابة الأولى في منطق “طبيعة الأصول”، وهو ما يكشف أن صناديق التقاعد تسعى دوماً إلى تطبيق إستراتيجيات توفيق الأصول بالالتزامات، إذ يمنح الاستثمار في قطاع التعدين تدفقات نقدية مستدامة وعوائد أرباح سنوية مرتفعة تضمن تغطية أموال المتقاعدين والمنخرطين في الصندوق على المدى الطويل.
كما ينطوي هذا الخيار الاستثماري على ميزة مكافحة التضخم، لكون المعادن الأساسية التي تنشطُ فيها الشركة المنجمية لتويسيت (CMT)، مثل الرصاص والزنك والفضة، ترتبط أسعارها بالدورة الاقتصادية العالمية وتوفر محفظة حماية طبيعية تحافظ على القدرة الشرائية لأصول الصندوق ضد تقلبات الأسعار.
وعلى مستوى التدبير والإدارة يعكس الانتقال نحو “المراقبة المشتركة” رغبة صندوق التقاعد التكميلي التعاضدي في توجيه القرارات الإستراتيجية للشركة من داخل مجلس الإدارة، ما يحمي حقوق المساهمين ويضمن معايير عالية من الشفافية والتدبير العقلاني للأصول المنجمية الوطنية، ولا سيما أن الشركة ترفع رهاناً محورياً يرتبط بتحويل الفاعل المنجمي إلى مقاولة مرجعية في القارة الإفريقية.
وبالنسبة للمساهمين والفاعل المالي فإن وجود صندوق تقاعد ضخم في عقد المراقبة إلى جانب الفاعل الصناعي “Ayrad Group” يمثل قاعدة مساهمين مرجعية، ما يقلل من المخاطر التشغيلية، ويزيد من ثقة المستثمرين الأفراد والمؤسساتيين، فضلاً عن الحد من التحركات التكهنية المفاجئة على أسهم الشركة المنجمية.
وتتعدى أبعاد هذه الصفقة مجرد الاستحواذ المالي لتؤكد تحولاً هيكلياً في إستراتيجية CIMR نحو ترسيخ “الاستثمار المؤسساتي النشط”، وتوجيه المدخرات الوطنية نحو قطاعات إنتاجية واستخراجية إستراتيجية تدعم النمو الاقتصادي وتكرس سيادة القطاعات الحيوية في المملكة.
المصدر:
هسبريس