آخر الأخبار

الشريعي: التفاوت المجالي يحول المسافة إلى عائق أمام العلاج ويعمق أزمة العدالة الصحية

شارك

يشكل التفاوت المجالي في الولوج إلى العلاج بالمغرب أحد أبرز تحديات العدالة الصحية، في ظل استمرار اضطرار مواطنين، خصوصا في المناطق الجبلية والقروية والنائية، إلى قطع مسافات طويلة نحو المدن الكبرى للاستفادة من تخصصات وخدمات صحية غير متوفرة بالقرب من مقرات سكناهم.

وأوضح محمد رشيد الشريعي، رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب، أن القضية تجاوزت مجرد النقص في التجهيزات أو عدم تكافؤ توزيع الأطباء والأطر الصحية، لتلامس جوهر الحق في الصحة ومبدأ المساواة في الاستفادة من الخدمات العمومية.

واعتبر الشريعي أن اضطرار مريض من منطقة جبلية أو قرية نائية إلى قطع عشرات أو مئات الكيلومترات للوصول إلى طبيب متخصص أو خدمة استشفائية أساسية لم يكن مجرد إشكال لوجستي، لأن الموقع الجغرافي أصبح، في هذه الحالة، عاملا مؤثرا في قدرة المواطن على الوصول إلى العلاج.

وحذر الحقوقي من أن تداعيات التفاوت المجالي ازدادت خطورة عندما تعلق الأمر بأمراض تطلبت تدخلا طبيا عاجلا، مثل أمراض القلب والسرطان والحالات الاستعجالية، إذ أدى طول المسافة وغياب وسائل النقل الصحي الملائمة إلى تأخير العلاج ورفع مخاطر المضاعفات.

وأوضح الشريعي أن المطلوب لم يعد مجرد التأكد من وجود خدمة صحية في مكان ما داخل التراب الوطني، وإنما ضمان إمكانية الوصول إليها فعليا من طرف المواطنين، مع مراعاة الخصوصيات الجغرافية والاجتماعية للمناطق الجبلية والصحراوية والنائية.

وحدد المتحدث ثلاثة مستويات مترابطة للعدالة الصحية، تمثلت في العدالة في توزيع الموارد البشرية والتجهيزات والاستثمارات، والعدالة في توزيع التخصصات الطبية، ثم ضمان الولوج الفعلي إلى الخدمات من خلال النقل الصحي والإحالة الطبية المنظمة والمواعيد والتطبيب عن بعد.

وربط الشريعي هذه الإشكالات بالالتزامات الدستورية للدولة، مشيرا إلى أن الفصل 31 من الدستور المغربي نص على تعبئة الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية للوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين، على قدم المساواة، من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.

واستحضر المتحدث كذلك الفصل 154 من الدستور، الذي أكد مبادئ المساواة في الولوج إلى المرافق العمومية والإنصاف في تغطية التراب الوطني والاستمرارية في أداء الخدمات.

وأشار أيضا إلى الالتزامات الدولية للمغرب في مجال حقوق الإنسان، معتبرا أن الحق في الصحة لم يكن ينبغي أن يظل مجرد مبدأ منصوص عليه، بل كان يتعين أن يكون قابلا للممارسة الفعلية، بغض النظر عن مكان إقامة المواطن أو وضعه الاجتماعي.

واعتبر أن المسؤولية القانونية لم ترتبط بمجرد وجود نقص في خدمة صحية معينة، وإنما كان من الممكن أن تثار عندما تحول هذا النقص المزمن إلى ضرر متكرر، خصوصا إذا كانت الجهات المسؤولة على علم بالخصاص ولم تتخذ تدابير معقولة لمعالجته أو توفير بدائل فعالة.

واقترح رئيس الجمعية اعتماد معيار جديد لتقييم العدالة الصحية، يقوم على قياس الزمن والتكلفة والجهد الذي احتاجه المواطن للوصول إلى العلاج، وليس فقط عدد المستشفيات والأطباء والأسرة الاستشفائية.

وقال إن “المسافة الجغرافية لا ينبغي أن تتحول إلى عقوبة صحية”، موضحا أنه لم يكن من الواقعي توفير جميع التخصصات في كل منطقة، لكن كان من واجب الدولة إنشاء شبكة صحية متكاملة ومترابطة تمكن المواطنين من الوصول إلى العلاج في آجال معقولة وبكلفة لا تحول دون الاستفادة منه.

ودعا في هذا السياق إلى إعداد خريطة وطنية للتفاوتات الصحية والمجالية، وتحديد المناطق التي عانت خصاصا، واعتماد معايير موضوعية في توزيع الأطباء والأطر الصحية والتخصصات، مع توفير تحفيزات إضافية للعاملين في المناطق الجبلية والنائية.

كما طالب بتطوير المستشفيات الجهوية وربطها بالمراكز الصحية القروية، وتوسيع خدمات الطب المتنقل، وتطوير الاستشارات عن بعد، وضمان نقل المرضى المحالين إلى المؤسسات المتخصصة، إلى جانب إحداث آليات لمساعدة الأسر محدودة الدخل على تحمل تكاليف التنقل والإقامة.

وربط الشريعي التفاوت المجالي بالأزمة التي عاشها القطاع الصحي العمومي، معتبرا أن صعوبات الولوج إلى العلاج تقاطعت مع مشاكل أخرى، من بينها الاكتظاظ، ونقص الموارد البشرية، وطول آجال المواعيد، والأعطاب التي طالت بعض التجهيزات الطبية، فضلا عن محدودية بعض خدمات التشخيص والتحاليل.

وأضاف أن المريض وجد نفسه في حالات كثيرة مضطرا إلى تحمل نفقات إضافية رغم توفره على التغطية الصحية، في وقت واجهت فيه فئات أخرى صعوبات مرتبطة بالاستفادة من أنظمة التغطية الصحية.

وحذر كذلك من تأثير ضغط العمل والخصاص في الموارد البشرية على الأطر الصحية، معتبرا أن ظروف الاشتغال الصعبة رفعت مستويات الإرهاق والاحتراق المهني، وطرحت بدورها إشكالات مرتبطة بالحماية القانونية أثناء أداء بعض المهام.

ووضع الشريعي هجرة الكفاءات الصحية ضمن أبرز العوامل التي زادت من حدة الأزمة، معتبرا أن مغادرة عدد من الأطباء والممرضين بحثا عن ظروف عمل أفضل ساهمت في تعميق الخصاص، خصوصا بالمناطق القروية والنائية.

ورأى أن معالجة هذا الوضع اقتضت توفير بيئة عمل ملائمة، وتحسين ظروف الاشتغال، واعتماد تحفيزات حقيقية للأطر الصحية التي اختارت العمل في المناطق الصعبة، بدل الاكتفاء بتوزيع المناصب دون معالجة أسباب عزوف المهنيين عن الالتحاق بهذه المناطق.

وبخصوص تنامي دور القطاع الصحي الخاص، أكد الشريعي أن وجود قطاع خاص قوي لم يكن في حد ذاته أمرا سلبيا، معتبرا أن المنظومة الصحية الناجحة قامت على تكامل القطاعين العام والخاص وتعاونهما بما خدم مصلحة المواطن.

لكنه حذر، في المقابل، من أن ضعف المستشفى العمومي أدى إلى جعل المصحات الخاصة الخيار شبه الوحيد أمام المرضى، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف العلاج، وهو ما دفع بعض الأسر محدودة الدخل إلى الاقتراض أو طلب المساعدة لتمويل العلاج.

واعتبر أن الشراكة بين القطاعين كان يمكن أن تساهم في تحسين العرض الصحي والاستفادة من التقنيات الحديثة، شريطة الحفاظ على الدور المركزي للمرفق العمومي وضمان قدرته على الاستجابة لحاجيات المواطنين.

وخلص الشريعي إلى أن إصلاح المنظومة الصحية تطلب الانتقال من منطق توفير المؤسسات والخدمات إلى ضمان الوصول الفعلي إليها، داعيا إلى اعتماد مؤشرات للعدالة المجالية ضمن تقييم أداء القطاع الصحي.

واعتبر أن نجاح السياسة الصحية لم يكن يقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأطباء، وإنما بالسؤال الأهم: **كم من الوقت والمال والجهد احتاج المواطن فعليا للوصول إلى العلاج الذي يحتاجه؟**

وأكد أن اضطرار مواطن يعيش في منطقة جبلية إلى قطع مئات الكيلومترات للحصول على تخصص أو خدمة صحية أساسية لم يعد مجرد مشكلة في النقل أو التوزيع، بل أصبح مؤشرا على اختلال في العدالة الصحية والمجالية استدعى تدخلا مؤسساتيا عاجلا.

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا