تتجه فاتورة التدابير التي رصدتها أو تستعد الحكومة الإسبانية لرصدها لمواجهة تداعيات أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة السليبة إلى تجاوز 46.5 مليون يورو على الأقل، في وقت تعمل فيه مدريد على خطة واسعة لا تقتصر على الجانب الإنساني، بل تشمل إنعاش التجارة والسياحة وتعزيز الأمن والقضاء والصحة والبنية الحدودية.
وبحسب معطيات كشفت عنها صحيفة “إلباييس” الإسبانية، اليوم السبت 22 غشت، وتقاطعت مع ما أعلنته مصادر حكومية ووزارة الاقتصاد، شرعت الحكومة في إعداد خطة للإنعاش الاقتصادي لسبتة، لم تُحسم قيمتها النهائية بعد، لكن التقديرات الأولية تتحدث عن 15 مليون يورو على الأقل لدعم النشاط التجاري الذي تضرر بشدة منذ أزمة العبور الجماعي في نهاية يوليوز.
وتتضمن الصيغة التي تدرسها مدريد تخفيضات ضريبية، وتقليصاً في الاشتراكات الموجهة للضمان الاجتماعي، إلى جانب مساعدات مباشرة لتعويض الشركات والتجار عن جزء من الأرباح التي فقدوها خلال فترة الأزمة، فيما يجري بالتوازي إعداد إجراءات خاصة لإنعاش القطاع السياحي واستعادة صورة المدينة وجاذبيتها أمام الزوار.
ويأتي ذلك بعدما سجل قطاعا التجارة والسياحة تراجعاً كبيراً في النشاط، إذ قدرت غرفة تجارة سبتة الخسائر التي قد تلحق بالاقتصاد المحلي بنحو 27.7 مليون يورو إذا استمرت التداعيات إلى نهاية غشت، تشمل خسائر ناجمة عن إغلاق أو تراجع نشاط المحلات وإلغاء احتفالات محلية وانخفاض الحركة الاقتصادية.
وبموازاة خطة إنعاش الاقتصاد، تستعد الحكومة الإسبانية للمصادقة على اعتماد استثنائي بقيمة 25 مليون يورو لفائدة القاصرين المهاجرين الموجودين في سبتة. وكانت وزارة الشباب والطفولة قد أعلنت رسمياً أن هذا الاعتماد سيُقر خلال الأسبوع الأخير من غشت لدعم المدينة في تدبير أوضاع القاصرين غير المصحوبين.
وتعمل السلطات، في هذا الإطار، على نقل حوالي 500 قاصر من الفئات الأكثر هشاشة إلى شبه الجزيرة الإسبانية خلال الأسابيع المقبلة، عبر صيغ مختلفة للاستقبال والرعاية، فيما تشير المعطيات الحكومية إلى أن أكثر من ألف قاصر يقيمون حالياً داخل مرافق المدينة، فضلاً عن آخرين لم تتم بعد عملية تحديد هوياتهم وإدماجهم في منظومة الرعاية.
ويضاف إلى ذلك مبلغ 6.5 ملايين يورو فعلته وزارة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة في إطار إعلان حالة طوارئ لدعم الاستجابة الإنسانية، وأسند جزء أساسي منه إلى الصليب الأحمر لتقديم الغذاء والرعاية والمساعدات للأشخاص الموجودين في وضعية هشاشة. وأكدت الحكومة أن الصليب الأحمر كان يوزع نحو أربعة آلاف حزمة غذائية يومياً منذ بداية غشت، إلى جانب مساعدات النظافة والرعاية الاجتماعية والصحية.
وباحتساب المخصصات الثلاثة، تصل قيمة الأموال التي جرى تخصيصها أو يجري الإعداد لتخصيصها إلى 46.5 مليون يورو على الأقل، دون احتساب نفقات إضافية مرتبطة بالتعزيزات الأمنية والقضائية والصحية ومشاريع البنية الحدودية، وهو ما يعني أن الكلفة الفعلية للاستجابة الحكومية للأزمة مرشحة لتجاوز هذا الرقم خلال الأسابيع المقبلة.
وفي مؤشر على توسع الجانب الاقتصادي في معالجة الأزمة، يرتقب أن يتوجه نائب رئيس الحكومة الأول ووزير الاقتصاد والتجارة والشركات الإسباني كارلوس كويربو إلى سبتة خلال الأسبوع المقبل، لعقد اجتماعات مع حكومة المدينة والهيئات الاقتصادية وأرباب الشركات والنقابات والفاعلين الاجتماعيين، بهدف تحديد حجم الأضرار والاحتياجات قبل استكمال الصيغة النهائية لخطة الإنعاش.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الحكومة لا تعتزم صرف جميع الاعتمادات دفعة واحدة، بل تتجه إلى إصدار سلسلة من القرارات والمراسيم خلال الأسابيع المقبلة، على غرار الآلية التي اعتمدتها في التعامل مع أزمات سابقة، بينما ينتظر أن يشكل مجلس الوزراء المرتقب يوم 25 غشت محطة أولى لإقرار جزء من التدابير.
ولا تقتصر الاستجابة الإسبانية على الجانب المالي والاقتصادي، إذ تستعد مدريد لتحويل جزء من التعزيزات الأمنية التي وصلت إلى سبتة خلال الأزمة إلى تعزيز دائم. وتشير المصادر الحكومية إلى وجود 330 شرطياً و240 عنصراً إضافياً من الحرس المدني، بما يرفع العدد الإجمالي لعناصر قوات الأمن التابعة للدولة المنتشرة في المدينة إلى 1659 عنصراً.
كما تعمل وزارة العدل على تعزيز قدرات المؤسسات القضائية في سبتة للتعامل مع الارتفاع الكبير في ملفات اللجوء والترحيل، إذ رفعت القدرة التشغيلية لمعهد الطب الشرعي والعلوم الجنائية بنسبة تصل إلى 271 في المائة، إلى جانب تعزيز المحاكم والنيابة العامة والأطباء الشرعيين ومحامي المساعدة القضائية.
وعلى المستوى الصحي، أكدت الحكومة أن المؤسسات الصحية تمكنت من استيعاب الضغط الإضافي دون إلغاء الاستشارات أو العمليات المبرمجة، لكن وزارة الصحة حذرت من المخاطر المرتبطة بالظروف غير الصحية التي يعيش فيها عدد من المهاجرين، معتبرة أن الوضع يتعلق بـ”أزمة إنسانية تنطوي على مخاطر صحية” أكثر منه أزمة في قدرة المستشفيات نفسها.
وفي الجانب الحدودي، تبحث السلطات الإسبانية إنشاء منشأة بحرية أكثر استقراراً لتأمين الحدود المائية، بعدما نصبت حاجزاً عائماً بشكل مؤقت عقب أزمة نهاية يوليوز. وترى الحكومة أن الحل الحالي غير مناسب للأحوال الجوية القاسية المتوقعة خلال الخريف والشتاء، ما يستدعي مشروعاً هندسياً دائماً سيضيف بدوره نفقات جديدة إلى فاتورة الأزمة.
وبالتوازي مع هذه الإجراءات، تعمل مدريد على تعزيز التنسيق مع الرباط لتفادي تكرار سيناريو العبور الجماعي، إذ أشادت مصادر في الحكومة الإسبانية بتدخل السلطات المغربية يوم 15 غشت لإحباط محاولة جديدة كان يجري التحضير لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي. وأظهرت المعطيات الميدانية أن الانتشار الأمني المغربي حال دون وصول المشاركين في تلك المحاولة إلى الحدود الإسبانية.
وبذلك، لم تعد تداعيات أزمة سبتة محصورة في ملف الهجرة، بل تحولت إلى ملف مالي واقتصادي وأمني واجتماعي واسع، تتوزع تكلفته بين رعاية المهاجرين والقاصرين وإنقاذ الأنشطة التجارية والسياحية وتعزيز أجهزة الدولة وتطوير البنية الحدودية، ما يجعل 46.5 مليون يورو مجرد حد أدنى أولي للفاتورة التي قد تتحملها إسبانيا جراء الأزمة.
المصدر:
العمق