في أعالي الأطلس الصغير جنوب غرب المغرب، تحولت كتل الضباب القادمة من المحيط الأطلسي إلى مورد مائي فعلي لفائدة سكان قرى جبلية عانت لسنوات من ندرة المياه وتراجع منسوب المياه الجوفية، بفضل منظومة مبتكرة تعتمد على شبكات ضخمة تلتقط قطرات الماء العالقة في الهواء وتحولها إلى مياه صالحة للشرب.
ويتعلق الأمر بمنظومة CloudFisher المقامة على جبل بوتمزكيدة بمنطقة آيت باعمران، قرب سيدي إفني، على ارتفاع يبلغ نحو 1225 مترا، والتي تصفها مؤسسة WasserStiftung الألمانية بأنها أكبر منشأة من نوعها في العالم لجمع المياه من الضباب.
وتتكون المنشأة، وفق أحدث بيانات المؤسسة، من 31 وحدة لجمع الضباب بمساحة إجمالية للشبكات تبلغ 1686 مترا مربعا، وتوفر المياه لنحو 16 قرية يقطنها حوالي 1300 شخص، إضافة إلى استعمال المياه في الزراعة وسقي الماشية.
وتقوم التقنية على مبدأ بسيط لا يحتاج إلى استهلاك الطاقة؛ إذ تمر الرياح المحملة بالضباب عبر شبكة دقيقة ثلاثية الأبعاد، فتلتقط أليافها القطرات الصغيرة الموجودة في الهواء، قبل أن تتجمع هذه القطرات وتتحول إلى قطرات أكبر تنساب بفعل الجاذبية إلى قنوات تجميع، ومنها إلى خزانات وشبكة لتوزيع المياه على القرى.
وتوضح مؤسسة WasserStiftung أن الشبكات مصممة لتحمل رياح تصل سرعتها إلى 120 كيلومترا في الساعة، وهي خاصية أساسية بالنظر إلى الطبيعة الجبلية والمكشوفة للموقع، كما أن النظام لا يحتاج إلى مضخات أو طاقة كهربائية لالتقاط المياه من الضباب.
ويبلغ متوسط ما تحصده الشبكات حوالي 22 لترا من المياه لكل متر مربع في ظروف الضباب، ما يسمح للمنظومة بإنتاج نحو 37 ألف لتر في اليوم الضبابي. وتؤكد المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن المردودية يمكن أن ترتفع، خلال الفترات التي تكون فيها كثافة الضباب مرتفعة، إلى نحو 60 لترا لكل متر مربع.
وتستفيد المنطقة من موقعها الجغرافي بين المحيط الأطلسي والأطلس الصغير، حيث يتشكل الضباب بكثافة عندما تدفع الرياح الرطوبة القادمة من الساحل نحو المرتفعات، وهو ما وفر الظروف الطبيعية المناسبة لتطوير هذه التقنية.
ويعود تطوير مشروع CloudFisher في بوتمزكيدة إلى تعاون جمع بين مؤسسة Dar Si Hmad المغربية وWasserStiftung وشركاء آخرين، بعد سنوات من التجارب، قبل أن تدخل المنشأة الموسعة الخدمة في شكلها الحالي خلال عام 2018.
ولا تقتصر أهمية المشروع على توفير المياه، إذ أحدث تغييرا في الحياة اليومية لسكان القرى المستفيدة، وخصوصا النساء والفتيات اللواتي كن مضطرات إلى قطع مسافات طويلة نحو الآبار ومصادر المياه في الوادي.
وتؤكد المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن إيصال مياه الضباب إلى المنازل حرر وقتا كان يُستهلك في جلب المياه، ما أتاح للفتيات تخصيص وقت أكبر للتعليم، وللنساء ممارسة أنشطة زراعية واقتصادية أخرى.
كما تشير مؤسسة WasserStiftung إلى أن المنطقة تعاني من مناخ شبه جاف ومن تزايد آثار الجفاف وتراجع مستويات المياه الجوفية، ما جعل البحث عن مصدر مائي إضافي أمرا أساسيا بالنسبة إلى القرى المنتشرة على سفوح بوتمزكيدة.
وفي البيرو، تعمل منذ سنة 2024 عشرات الوحدات بمنطقة سانتا روزا قرب ليما، حيث توفر المياه لنحو 1000 شخص و400 تلميذ، وفق البيانات الحالية للمؤسسة الألمانية. كما أقيمت منشآت أخرى في بوليفيا وتنزانيا لتزويد تجمعات قروية ومدارس بمياه الشرب.
غير أن تقنية جمع الضباب لا تمثل حلا قابلا للتطبيق في جميع المناطق، إذ يتطلب نجاحها توافر ظروف جغرافية ومناخية محددة، من بينها كثافة الضباب وانتظام الرياح ووجود مرتفعات أو مناطق ساحلية مناسبة.
ويكتسب المشروع المغربي أهمية خاصة في ظل الضغط المتزايد الذي تعرفه الموارد المائية بالمملكة، باعتباره نموذجا لحلول مائية غير تقليدية تستفيد من الموارد الطبيعية المحلية، دون استنزاف المياه الجوفية أو الحاجة إلى الطاقة اللازمة لبعض تقنيات إنتاج المياه الأخرى.
وهكذا، تحولت قطرات الضباب التي تعبر مرتفعات آيت باعمران من ظاهرة مناخية عابرة إلى مورد يوفر عشرات الآلاف من اللترات من المياه، جاعلا من بوتمزكيدة تجربة دولية بارزة في توظيف الابتكار لمواجهة ندرة المياه والتكيف مع الجفاف.
المصدر:
العمق