بينما تتوالى الأحزاب السياسية في إعلان مرشحيها بمختلف الدوائر الانتخابية يجد عدد من أعضاء الشبيبات الحزبية أنفسهم خارج دائرة التنافس، في وقت تمنح التزكيات أحيانا لأسماء لم يسبق لها الانخراط في العمل الحزبي، أو لمرشحين جرى استقطابهم من أحزاب أخرى، ما يعيد إلى الواجهة النقاش حول ما بات يعرف بـ”الميركاتو الانتخابي”، وحدود انفتاح الأحزاب على الكفاءات الجديدة، مقابل الحفاظ على مكانة المناضلين الحزبيين وتجديد النخب السياسية.
وبحلول 21 غشت، الذي يصادف عيد الشباب، يعود نقاش المشاركة السياسية إلى الواجهة، ففي وقت تختار نسبة كبيرة من الشباب المغاربة العزوف عن المشاركة السياسية، ترشحا وتصويتا، يجد الشباب المنتمون إلى الأحزاب السياسية أنفسهم أمام إشكالية أخرى، تتمثل في مدى قدرتهم على الانتقال من موقع التأطير والعمل التنظيمي إلى مواقع المسؤولية والتمثيلية، في ظل استمرار الجدل حول معايير التزكية، وانفتاح الأحزاب على أسماء وكفاءات جديدة.
وفي هذا السياق قالت سلمى أبلحساين المسطاسي، رئيسة مجلس منظمة شباب الأصالة والمعاصرة، إنه يجب التعامل مع ما أصبح يعرف بـ”الميركاتو الانتخابي” والانفتاح على “أسماء وكفاءات جديدة” بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بنقاش “متزن ومسؤول”، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو اختزال الموضوع في الأشخاص عوض المؤسسات والبرامج.
وأكدت المسطاسي، في تصريح لهسبريس، أن انفتاح الأحزاب السياسية على الكفاءات أمر مهم ومطلوب، معتبرة أن الحزب السياسي لا ينبغي أن يكون “فضاء مغلقا”، بل مؤسسة حية ومنفتحة على المجتمع، وقادرة على استقطاب الطاقات والكفاءات الموجودة في مختلف المجالات.
وأشارت المتحدثة ذاتها إلى أن هذا الانفتاح لا يعني بأي شكل من الأشكال إلغاء قيمة العمل الحزبي أو إضعاف قيمة المدرسة الحزبية، موضحة أن “مناضلات ومناضلي الحزب الذين اختاروا العمل داخل المؤسسة الحزبية لسنوات، واشتغلوا في الميدان، وتأطروا، وتواصلوا مع المواطنات والمواطنين، وساهموا في بناء البرامج والأفكار، وتحملوا مسؤوليات تنظيمية وانتخابية، يستحقون التثمين والاعتراف بهذا الرصيد”، الذي اعتبرته “جزءا من رأس المال السياسي لأي حزب”.
وشددت رئيسة مجلس منظمة شباب “حزب الجرار” على أهمية المدرسة الحزبية، لكونها تساهم في تكوين السياسي، وتعلمه معنى المسؤولية والانضباط والعمل الجماعي، وتجعله قريبا من المواطنين ومن قضاياهم اليومية، “فضلا عن أنها تمنح المناضل القدرة على فهم العمل المؤسساتي، وعلى ممارسة السياسة باعتبارها خدمة عمومية ومسؤولية وطنية”.
وفي معرض حديثها عن الخصائص التي وجب أن تتوفر في مرشحي الأحزاب جردت المسطاسي مجموعة من المعايير، من قبيل الكفاءة والاستحقاق والنزاهة والالتزام والقدرة على التواصل مع المواطنات والمواطنين، وفهم قضاياهم، والقدرة على تحويل انتظاراتهم إلى مقترحات وحلول، وتحقيق أثر ملموس في حياتهم اليومية، داعية إلى تجاوز سؤال “هل المرشح من داخل الحزب أم وافد جديد؟”، إلى الحديث عما الذي يجعل شخصا ما مؤهلا لتمثيل المواطنات والمواطنين، وعن أسباب وقوع الاختيار عليه لتمثيل الحزب في الاستحقاقات الانتخابية.
وتطرقت المتحدثة ذاتها إلى أن التمثيلية السياسية تتجاوز مجرد الحضور في اللائحة الانتخابية، إلى كونها مسؤولية وثقة وتعاقدا مع المواطنات والمواطنين، ومسؤولية تجاه المؤسسات وتجاه الوطن، مؤكدة في هذا السياق أن “معيار نجاح أي حزب في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في عدد الأصوات التي يحصل عليها، وإنما في البرنامج الذي سيقدمه، وفي نوعية النخب التي سيقدمها، وفي قدرتها على ممارسة السياسة بنجاعة، وترك أثر ملموس في حياة المواطنين، وفي قدرتها على التواصل والإنصات والاستجابة لانتظارات المجتمع، والتفاعل السريع مع الأزمات التي قد تطبع الزمن السياسي”.
وخلصت سلمى أبلحساين المسطاسي إلى أن دور الشباب في هذا المسار لا ينبغي أن يقتصر على كونهم مستقبل العمل السياسي، لافتة إلى أن هذه الفئة هي جزء من الحاضر أيضا، وداعية إلى منحها الثقة والمسؤولية والمساحة التي تمكنها من المساهمة في بناء مغرب صاعد، تجسيدا للإرادة الملكية الرامية إلى وضع طاقاته البشرية، وفي مقدمتها شبابه، في صلب مشروعه التنموي ومستقبله الوطني.
ومن جهته أكد محمد حومالك، عضو المكتب التنفيذي للشبيبة الحركية، أن تخليد ذكرى عيد الشباب يشكل محطة رمزية لتجديد النقاش حول مكانة الأجيال الصاعدة في صناعة القرار، من خلال استحضار التوجيهات الملكية التي ما فتئت تؤكد على ضرورة تجديد النخب الحزبية، والانفتاح الفعلي على الكفاءات الشابة، وجعل العمل السياسي رافعة حقيقية للتنمية الترابية وبناء المستقبل.
وأضاف حومالك، في حديث لهسبريس، أن رهان تعزيز المشاركة السياسية للشباب يواجه اليوم تحديا حقيقيا يرتبط بمدى استيعاب الهيئات السياسية لروح هذه التوجيهات وترجمتها إلى ممارسة فعلية، مبرزا أنه ينبغي أن يتأسس الانفتاح الحزبي حصرا على معياري الكفاءة والاستحقاق، من خلال تمكين أطر “تكنو-سياسية” ذات تكوين متين ورصيد معرفي ومهني بارز، قادرة على تدبير السياسات العمومية وإنتاج الحلول، بعيدا عن منطق “الميركاتو الانتخابي” وشبكات الولاءات العابرة.
وتابع المتحدث ذاته بأن مساعي تجديد النخب تصطدم بواقع مجتمعي مركب، ولا سيما في العالم القروي، مستحضرا كون العديد من الأنماط الانتخابية لا تزال محكومة بالحسابات “التقليدية والزبونية” على حساب المعايير التنموية والبرامجية، ومشددا على أن هذا الاصطدام بين كفاءات شابة مؤهلة وإكراهات واقع انتخابي تقليدي يعد المحرك الرئيس لتعميق العزوف السياسي وفقدان الجدوى في صفوف الشباب.
وختاما أكد محمد حومالك أن التنزيل السليم للتوجيهات الملكية يفرض شجاعة حزبية لتكريس الديمقراطية الداخلية، ومأسسة شروط التزكية لضمان تكافؤ الفرص وصيانة مكانة المناضلين والأطر الحزبية، مجددا التأكيد على ضرورة تمكين الشباب، بدل الاكتفاء بـ”شعارات موسمية وتأثيث للمشهد”، من تعاقد وطني ومؤسساتي يعيد الثقة والمصداقية للعمل السياسي.
المصدر:
هسبريس