أفضت وساطة مغربية إلى الإفراج عن الفرنسي يان فيزيلييه، الضابط في المديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسي (DGSE)، الذي كان قد حُكم عليه في يونيو الماضي بالسجن لمدة 20 سنة في مالي بتهمة المساس بأمن الدولة.
وبحسب معطيات أوردتها وسائل إعلام فرنكوفونية، فقد أصدر الرئيس الانتقالي المالي، العقيد آسيمي غويتا، يوم الخميس 13 غشت الجاري، عفواً رئاسياً عن فيزيلييه، عقب وساطة قادها المغرب، لتنتهي بذلك فترة احتجازه التي استمرت قرابة عام، حيث أكدت الحكومة المالية، في بيان رسمي، أن العفو لا يلغي الحكم الصادر في حق المعني بالأمر، وأن القرار مشروط بإبعاده فوراً من الأراضي المالية.
وبحسب موقع “إنتلجنس أونلاين”، فإن التحرك المغربي يندرج ضمن الدور المتزايد الذي تضطلع به الرباط في الملفات المرتبطة بالعلاقات الفرنسية مع دول الساحل، خصوصا في القضايا ذات الطابع الأمني والاستخباراتي، بما يعكس أهمية القنوات المغربية في التعامل مع ملفات شديدة الحساسية من هذا النوع.
ويأتي هذا التطور بعد أسابيع قليلة من الزيارة التي قام بها وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، إلى باماكو في 24 يوليوز الماضي، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس آسيمي غويتا، وذلك على هامش انعقاد الدورة الجديدة للجنة العليا المشتركة المغربية-المالية.
وجرى التحرك المغربي في إطار اتصالات دبلوماسية هادئة وبعيدة عن الأضواء، وهو ما يتماشى مع طبيعة الوساطات التي يضطلع بها المغرب في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، إذ كانت الحكومة المالية قد أشادت، في بيانها بشأن العفو، بـ”المساعي الحميدة” التي بذلها “بلد شقيق”، مؤكدة أنها تمت بشكل سري مع الاحترام الصارم لسيادة مالي، دون أن تسمّي هذا البلد.
وتأتي الإشارة إلى الوساطة المغربية في سياق تحركات دبلوماسية متعددة سعت إلى إيجاد مخرج لقضية الضابط الفرنسي، إذ كانت فرنسا قد كثفت اتصالاتها من أجل تأمين الإفراج عنه، في وقت تحدثت فيه مصادر إعلامية عن محاولات وساطة أخرى، من بينها قطر والإمارات وغانا، غير أن المعطيات التي أعقبت قرار العفو المالي سلطت الضوء بشكل خاص على الدور الذي لعبه المغرب في تقريب وجهات النظر بين باماكو وباريس.
وكان يان فيزيلييه، الذي كان معتمداً لدى السلطات المالية وملحقاً بالسفارة الفرنسية في باماكو، قد أوقف في 13 غشت 2025 رفقة عدد من ضباط القوات المسلحة المالية، خلال عملية نفذتها أجهزة أمن الدولة المالية، واتهمته السلطات في باماكو بالضلوع في مؤامرة ضد مؤسسات الدولة والعمل لحساب أجهزة الاستخبارات الفرنسية، وهي الاتهامات التي رفضتها باريس بشكل قاطع.
وفي يونيو الماضي، أصدرت المحكمة المالية حكماً بسجنه لمدة 20 سنة بتهمة “المساس بأمن الدولة”، بينما أكدت السلطات الفرنسية أن فيزيلييه كان يؤدي مهمة للتعاون الأمني، ونفت بشكل صريح مشاركة فرنسا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أي مخطط لزعزعة استقرار مالي.
وعقب إعلان العفو، عبرت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، عن “ارتياحها الكبير” للإفراج عن مواطنها، معتبرة أن عودته إلى فرنسا ولقائه بأقاربه تمثل مصدر ارتياح للوزارة ولزملائه، وأكدت باريس بذلك انتهاء فترة احتجازه، في وقت لا تزال فيه العلاقات الفرنسية-المالية تعيش واحدة من أكثر مراحلها توتراً خلال السنوات الأخيرة.
وكانت فرنسا قد علقت، في شتنبر 2025، تعاونها في مجال مكافحة الإرهاب مع مالي، كما طلبت من دبلوماسيين ماليين مغادرة أراضيها، وذلك على خلفية قضية فيزيلييه وتفاقم التوتر بين البلدين. وتزامنت الأزمة مع مسار أوسع من القطيعة بين باريس والسلطات العسكرية في باماكو، التي أنهت تعاونها العسكري مع فرنسا واتجهت إلى تعزيز شراكاتها مع روسيا.
وتزامن قرار العفو أيضاً مع وضع أمني متوتر في مالي، حيث تواجه السلطات العسكرية منذ أشهر ضغوطاً متزايدة بفعل الهجمات التي تشنها جماعات مسلحة في مناطق مختلفة من البلاد. وأشارت «لوموند» إلى أن هذا السياق الأمني المتدهور، إلى جانب الهجوم الواسع الذي بدأ في أواخر أبريل الماضي، زاد من هشاشة الوضع الذي تواجهه السلطات المالية.
وسبق للمغرب أن اضطلع في دجنبر 2024 بدور مهم في الإفراج عن أربعة مواطنين فرنسيين كانوا محتجزين في بوركينا فاسو، بعدما اشتبهت السلطات في واغادوغو في ارتباطهم بأجهزة الاستخبارات الفرنسية وقيامهم بمهام تجسسية. كما أشار تقرير لإذاعة فرنسا الدولية إلى أن المغرب رسخ خلال السنوات الأخيرة موقعه كطرف مستعد للوساطة بين دول الساحل وفرنسا، في وقت أصبحت فيه قنوات الاتصال بين باريس وبعض عواصم المنطقة محدودة.
وتعزز وساطة المغرب في قضية فيزيلييه، صورته كفاعل دبلوماسي قادر على فتح قنوات اتصال مع سلطات منطقة الساحل، بما فيها تلك التي تعرف علاقاتها مع فرنسا توتراً حاداً. ويكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ظل تمسك الرباط بالحفاظ على قنوات الحوار مع دول المنطقة، واعتماد مقاربة تقوم على بناء الثقة والتعاون واحترام سيادة الدول.
وفي هذا السياق، تأتي الوساطة المغربية في قضية الضابط الفرنسي لتؤكد مرة أخرى أن الرباط باتت طرفاً قادراً على التحرك في الملفات التي تتطلب اتصالات دقيقة بين أطراف متباعدة، مستفيدة من علاقاتها مع دول الساحل ومن موقعها الدبلوماسي المتوازن، كما يعكس نجاح هذه الوساطة قدرة المغرب على الاضطلاع بدور حلقة وصل في أزمات تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، وتمتد إلى قضايا الأمن والاستقرار والتعاون الدولي في منطقة الساحل.
المصدر:
العمق