آخر الأخبار

“ليدو” عين الذئاب يشعل سجالا بمجلس البيضاء حول الاستثمار والشفافية

شارك

عاد ملف المنتجع السياحي “ليدو” بمنطقة عين الذئاب إلى واجهة النقاش داخل مجلس جماعة الدار البيضاء، بعدما تحول خلال الدورة الاستثنائية الأخيرة إلى محور سجال قانوني وسياسي بين المكتب المسير وعدد من أعضاء المجلس، على خلفية مشروع جديد للاستثمار في العقار الجماعي، والتساؤلات التي رافقت طريقة تدبير العقد السابق ومسار إنهائه.

ويأتي هذا الجدل في وقت تراهن فيه جماعة الدار البيضاء على تثمين ممتلكاتها العقارية وتحويل عدد منها إلى مشاريع استثمارية قادرة على توفير مداخيل إضافية، غير أن ملف المنتجع السياحي فتح في المقابل نقاشا أوسع حول حدود سلطة المكتب المسير، ودور المجلس الجماعي في اتخاذ القرارات المرتبطة بالأملاك الجماعية، ومدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص في اختيار المستثمرين.

وخلال أشغال الدورة الاستثنائية، قدم الحسين نصر الله، نائب عمدة الدار البيضاء المكلف بالممتلكات والمنازعات القانونية، عرضا حول الخلفية القانونية والتاريخية للملف، موضحا أن الاتفاقية الأصلية تعود إلى سنة 2001، وكانت محددة في مدة عشر سنوات، أي قبل اعتماد نظام وحدة المدينة بصيغته الحالية.

وأشار نصر الله إلى أن الملف عرف لاحقا توقيع ملحق سنة 2003، تضمن، بحسب المعطيات التي عرضها أمام أعضاء المجلس، تمديد مدة الاستغلال إلى 45 سنة، غير أن هذا الملحق أثار إشكالات قانونية، لكون المجلس الجماعي لم يسبق له أن صادق عليه، وهو ما دفع الجماعة إلى سلوك المساطر القانونية والطعن أمام القضاء.

وأوضح المسؤول الجماعي أن النزاع لم يكن بسيطا، بعدما مر عبر جلسات قضائية متعددة وأحكام وخبرات، ما جعل الملف من بين القضايا التي تراكمت فيها المعطيات القانونية والإدارية والقضائية على مدى سنوات، مؤكدا أن آخر الأحكام المرتبطة بالموضوع انصبت، وفق عرضه، على إلغاء أحد مقررات المجلس.

وبذلك، فإن خلفية النزاع لا ترتبط فقط بالصيغة الجديدة المطروحة أمام المجلس، وإنما تعود إلى مسار طويل بدأ منذ الاتفاقية الأولى، قبل أن تتوالى الملاحق والمقررات والطعون والأحكام، وهو ما يجعل أي قراءة للملف بمعزل عن تاريخه الكامل عرضة للاختزال، بحسب ما يفهم من توضيحات نائب العمدة.

وفي الجانب الاستثماري، أوضح نصر الله أن الاتفاقية السابقة كانت مرتبطة باستثمار قدرت قيمته بحوالي ثلاثة مليارات سنتيم، غير أن هذا الاستثمار لم يتم، وفق المعطيات التي قدمها، بالشكل الذي كان منصوصا عليه في الاتفاقية، مع بروز خلافات بشأن احترام عدد من الالتزامات، من بينها التسوية القانونية والحصول على التراخيص الضرورية.

كما أثار المسؤول الجماعي الوضعية القانونية للمنشآت المقامة فوق العقار، مشيرا إلى أن المجلس سبق أن اتخذ إجراءات بشأن منشآت قال إنها أقيمت دون استيفاء التراخيص القانونية المطلوبة، وهو عنصر زاد من تعقيد الملف، وجعل العقار موضوع تداخل بين الإشكالات الاستثمارية والعقارية والقانونية.

أما من الناحية المالية، فقد أوضح نصر الله أن السومة الكرائية الواردة في الاتفاقية الأصلية كانت في حدود مليونين و250 ألف درهم، مع خضوعها للزيادات والتطورات المنصوص عليها، مشدداً على أن بعض الأرقام المتداولة بشأن القيمة الكرائية لا تعكس، وفق عرضه، السومة الفعلية المعتمدة في الاتفاقية.

وفي مقابل هذه التوضيحات، اختار عبد الصمد حيكر، المستشار بجماعة الدار البيضاء، مقاربة مختلفة، مركزا على الطريقة التي تم بها تقديم المشروع الجديد أمام المجلس، وعلى هوية المستثمر وطبيعة المشروع والضمانات التي يفترض أن ترافق أي اتفاق يتعلق باستغلال ملك جماعي.

وقال حيكر إن النقطة الأكثر إثارة للقلق، بالنسبة إليه، تتمثل في “إحضار مستثمر لا نعرف من هو، ولا نعرف طبيعة مشروعه ولا خلفياته”، معتبرا أن تدبير ممتلكات الجماعة يتطلب قدرا أكبر من الوضوح والشفافية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعقار ذي قيمة وموقع استراتيجي مثل المنتجع السياحي “ليدو”.

ويرى المستشار الجماعي أن المجلس كان يفترض أن يستكمل أولا مسطرة إنهاء العقد السابق، قبل الانتقال إلى صيغة جديدة، مع وضع شروط واضحة وإتاحة الفرصة أمام المستثمرين لتقديم عروضهم، بدل اعتماد اتفاق مباشر قد يثير، حسب تصوره، أسئلة حول المنافسة وتكافؤ الفرص.

وتتجاوز ملاحظات حيكر حدود المشروع الحالي، لتلامس بشكل مباشر طريقة تدبير ممتلكات جماعة الدار البيضاء، باعتبارها أملاكا يفترض أن تخضع لمنطق تثمين المال العام وتحقيق أكبر قدر ممكن من المردودية لفائدة المدينة وساكنتها.

وفي هذا السياق، شدد المستشار على أن الممتلكات الجماعية لا ينبغي أن تكون موضوع اتفاقات غير واضحة، داعيا إلى اعتماد مساطر تضمن المنافسة والشفافية، وتتيح للمجلس الاطلاع بشكل كامل على طبيعة المشاريع المقترحة، وهوية المستثمرين، وحجم الاستثمارات، وآجال الإنجاز، وآليات التتبع والمراقبة.

كما أثار حيكر مسألة استفادة المواطنين من المشروع، منتقدا الحديث عن توجيه المشروع إلى فئة معينة، ومؤكدا أن الأصل، في نظره، هو أن تكون المشاريع المقامة على ممتلكات الجماعة ذات بعد يخدم المصلحة العامة، أو على الأقل أن تكون طبيعة الاستفادة منها واضحة ومحددة ضمن الاتفاقية.

ولم يتوقف السجال عند هوية المستثمر، بل امتد إلى العقد السابق، حيث تساءل حيكر عن الأساس القانوني للانتقال إلى اتفاق جديد، في ظل وجود مقررات سابقة مرتبطة بإنهاء العقد، بسبب ما وصفه بعدم الالتزام ببنوده وعدم الأداء وانتهاء المدة.

وبين رواية المكتب المسير التي تركز على تعقيدات ملف يعود إلى أكثر من عقدين، وملاحظات بعض أعضاء المجلس الذين يطالبون بمزيد من الشفافية والمنافسة، يتضح أن “ليدو” لم يعد مجرد مشروع استثماري، بل تحول إلى نموذج مصغر للنقاش الدائر داخل العاصمة الاقتصادية حول كيفية تدبير الممتلكات الجماعية.

ويزداد هذا النقاش أهمية بالنظر إلى القيمة الاستثمارية التي يرتقب أن يحملها المشروع الجديد، إذ تشير المعطيات المتداولة في سياق الملف إلى التزام المستثمر الجديد باستثمار يقارب 20 مليار سنتيم، وهو مبلغ كبير يجعل مسألة تحديد طبيعة المشروع، ومراحل إنجازه، وضمانات التنفيذ، وآليات مراقبة الالتزامات، من النقاط التي تحظى بأهمية خاصة.

فالرهان بالنسبة للجماعة لا يرتبط فقط بإنهاء نزاع قديم، وإنما يتعلق أيضا بضمان عدم تكرار السيناريو نفسه، من خلال إدراج بنود تعاقدية دقيقة تحدد التزامات المستثمر، وآجال الإنجاز، والجزاءات المترتبة عن عدم التنفيذ، وشروط فسخ العقد، فضلا عن آليات التتبع والمراقبة.

ومن جهة أخرى، فإن تجربة العقد السابق تطرح سؤالا حول مدى قدرة الجماعة على مراقبة تنفيذ الاستثمارات المرتبطة بممتلكاتها، خصوصا عندما تكون المشاريع ذات قيمة مالية مرتفعة، وحول ما إذا كانت الأجهزة المختصة تتوفر على آليات عملية تمكنها من التدخل في الوقت المناسب عند تسجيل أي إخلال بالالتزامات التعاقدية.

وفي خضم هذا السجال، طالب حيكر بعقد جلسة أخرى لمناقشة العقد والدراسة المتعلقة بإحصاء وترتيب أملاك جماعة الدار البيضاء، معتبرا أن اطلاع المجلس على الوثائق والمعطيات المرتبطة بالملف يمثل مدخلا أساسيا لاتخاذ موقف مبني على معطيات كاملة.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا