أبدت مؤسسة وسيط المملكة موقفا مؤيدا، من حيث المبدأ، لاعتماد آلية المراقبة الطبية المضادة للرخص المرضية قصيرة الأمد التي يقدمها مستخدمو مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، غير أنها أحاطت اللجوء إلى هذه الآلية بجملة من الشروط والضمانات، أبرزها وجود أساس قانوني أو تنظيمي واضح، واحترام السر الطبي والحياة الخاصة، وعدم ترتيب عقوبات إدارية أو مالية أو تأديبية بشكل تلقائي.
وجاء موقف المؤسسة ضمن رأي أصدرته بشأن موضوع “اعتماد آلية المراقبة الطبية المضادة للرخص المرضية قصيرة الأمد بمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل”، بعدما توصلت، بتاريخ 5 يونيو 2026، بطلب رأي من المكتب يروم الاستئناس بتقديرها بشأن إمكانية اعتماد المراقبة أو المعاينة الطبية المقابلة للتحقق من الرخص المرضية القصيرة التي يدلي بها مستخدموه.
وأوضح رأي المؤسسة أن طلب مكتب التكوين المهني يأتي في سياق البحث عن صيغة تنظيمية تضمن الاستعمال المشروع للرخص المرضية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحقوق الاجتماعية للمستخدمين وانتظام الخدمات التكوينية والإدارية التي يقدمها المكتب.
واعتبر وسيط المملكة أن الرخصة المرضية تقوم أصلا على تقييم طبي يثبت الحالة الصحية للمستخدم، غير أن ما يترتب عليها من آثار إدارية ومالية يتيح، في حدود القانون، إخضاعها لآلية تحقق متى اقتضت ذلك مصلحة المرفق العام، شريطة ألا تتحول المراقبة إلى أداة للتشكيك بصورة عامة في صحة الشهادات الطبية أو إلى وسيلة للمساس بحرية التقدير الطبي.
وشددت المؤسسة على أن مجرد الرغبة في الحد من الغياب لا تكفي لإضفاء المشروعية على المراقبة الطبية المضادة، مؤكدة ضرورة استنادها إلى أساس قانوني وتنظيمي واضح، وارتباطها بهدف مشروع، فضلا عن احترام مبادئ التناسب والمساواة وحسن سير المرفق العام. وخلصت إلى أن الآلية لا تتعارض، من حيث المبدأ، مع القواعد المنظمة للرخص الصحية متى توفرت هذه الشروط.
وفي المقابل، حذرت المؤسسة من تحويل المراقبة الطبية إلى إجراء آلي أو انتقائي، ودعت إلى قصر اللجوء إليها على الحالات التي تبررها اعتبارات موضوعية، مع ضمان استقلال الطبيب المراقب واحترام السر الطبي وحماية المعطيات الصحية، وعدم تمكين الإدارة سوى من الخلاصات الضرورية لتدبير الوضعية الإدارية للموظف، دون اطلاعها على تفاصيل التشخيص أو العلاج.
كما أكدت ضرورة الفصل بين التقدير الطبي والقرار الإداري، بحيث يبقى تقييم الحالة الصحية من اختصاص الطبيب، فيما يعود اتخاذ القرار الإداري إلى المؤسسة، مع تمكين المستخدم من حقه في الإعلام وإبداء ملاحظاته وممارسة سبل التظلم أو المنازعة عندما تكون نتائج المراقبة مرشحة للتأثير على وضعيته الإدارية أو المالية.
وفي نقطة لافتة، شدد وسيط المملكة على أن اختلاف تقدير الطبيب المراقب عن رأي الطبيب المعالج لا يعني تلقائيا سوء نية المستخدم، ولا يمكن أن يكون بمفرده أساسا لإلغاء الرخصة أو ترتيب جزاء. واعتبرت المؤسسة أن نتيجة الفحص المضاد ليست حاسمة في حد ذاتها، وإنما تشكل عنصرا ضمن عناصر تستند إليها الإدارة عند اتخاذ القرار.
وأكد الرأي أنه لا يجوز ترتيب أي أثر إداري أو مالي أو تأديبي بصورة تلقائية بناء على نتائج المراقبة الطبية، بل يتعين أن يستند القرار إلى أساس قانوني، وأن يكون معللا ومتناسبا، مع تمكين المستخدم من الاطلاع على العناصر التي تهم وضعيته وممارسة حقوقه في التوضيح والمواجهة والتظلم.
ودعت المؤسسة، في الوقت نفسه، إلى عدم اختزال المراقبة الطبية في بعدها الرقابي، مقترحة إدراجها ضمن سياسة مؤسساتية أشمل لتدبير الغياب لأسباب صحية تقوم على الوقاية، وتحليل أسباب الغياب، وتحسين ظروف العمل وتعزيز الثقة بين الإدارة والمستخدمين، بما يجعل المراقبة أداة للحكامة وحسن التدبير وليس مجرد وسيلة للجزاء.
وأنهت مؤسسة وسيط المملكة رأيها بتقديم 11 توصية موزعة على أربعة مستويات، تشمل التأطير التنظيمي، والشروط المسطرية، وحماية الحقوق، ثم التتبع والتقييم.
وأوصت، على المستوى التنظيمي، بوضع إطار واضح يحدد نطاق المراقبة وشروط اللجوء إليها والجهة المختصة بتفعيلها وآثارها القانونية، إلى جانب تحيين النصوص والمساطر الداخلية ذات الصلة بالرخص المرضية، وإدماج مراقبة الغياب ضمن سياسة مؤسساتية قائمة على الوقاية والحكامة.
أما مسطريا، فدعت إلى اعتماد إجراء موحد وسريع يراعي الطبيعة القصيرة لهذه الرخص، وقصر المراقبة على الحالات المدعومة بمؤشرات موضوعية مع توثيق أسباب تفعيلها، فضلا عن ضمان حق المستخدم في الإعلام والتوضيح والمنازعة قبل ترتيب أي أثر على وضعيته.
وأوصى وسيط المملكة أيضا بضمان استقلال الطبيب المراقب، والاكتفاء بخلاصات طبية وظيفية لا تتضمن التشخيص أو تفاصيل العلاج، وعدم فرض أي أثر إداري أو مالي أو تأديبي إلا بقرار معلل ومتدرج ومستوف للضمانات القانونية، مع إرساء تقييم دوري لمدى تأثير آلية المراقبة على انتظام المرفق العام وحماية حقوق المستخدمين، واستثمار نتائج هذا التقييم في مراجعة المساطر وتحسينها باستمرار.
ويضع هذا الرأي، بذلك، إطارا يقوم على التوفيق بين حق مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل في التحقق من الاستفادة السليمة من الرخص المرضية وحماية انتظام خدماته وموارده، وبين ضرورة صيانة الحقوق الأساسية للمستخدمين ومنع تحول المراقبة الطبية إلى أداة عامة للتشكيك في الشهادات المرضية أو فرض الجزاءات بصورة آلية.
المصدر:
العمق