رغم تسجيل المغرب معدلات نمو واستثمارات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، ما تزال سوق الشغل عاجزة عن تحويل هذه الدينامية الاقتصادية إلى فرص عمل كافية، خصوصا لفائدة الشباب، في مفارقة تعيد طرح سؤال مدى نجاعة النموذج التنموي وقدرته على خلق الثروة وتحسين الأوضاع الاجتماعية.
وبينما تتواصل تعبئة استثمارات ضخمة في عدد من القطاعات، تكشف المؤشرات عن تراجع القدرة التشغيلية للنمو وارتفاع البطالة، ما يثير تساؤلات حول طبيعة الاستثمارات العمومية والخاصة، ومدى ارتباطها بالحاجيات الفعلية لسوق الشغل.
في هذا الإطار، أكد المحلل الاقتصادي رشيد الساري، في تصريح لجريدة العمق، أن المغرب يعيش أزمة حقيقية تحولت من طابعها الظرفي إلى هيكلي، مبرزا أن المؤشرات الاقتصادية الحالية لم تعد تعكس الواقع المعاش، خاصة في ظل المفارقة المتمثلة في ارتفاع حجم الاستثمارات ومعدلات النمو مقابل غياب أي انعكاس إيجابي حقيقي على سوق الشغل.
وأوضح المتحدث ذاته أن النموذج التنموي الجديد أشار بوضوح إلى ضرورة انعكاس المؤشرات على الواقع، غير أن هناك بونا شاسعا بين ما يتحقق من معدلات نمو وبين التنمية الفعلية، مفسرا ذلك بكون الاستثمارات الضخمة التي يتم ضخ ملايير الدراهم فيها لا تنجح في جلب أو خلق فرص عمل كافية، نظرا لكون الشركات والمقاولات الكبرى لا تتوفر على الآليات والإمكانيات التي تدفعها نحو تشغيل يد عاملة أكبر مما تحتاجه.
وأضاف الخبير الاقتصادي في حديثه للجريدة، أن الإشكال الحقيقي يكمن في عدم تشجيع المقاولات الصغرى والصغرى جدا، معتبرا إياها المحرك الأساسي والقادر الفعلي على خلق نسبة كبيرة ومهمة من مناصب الشغل، ومسجلا في الوقت عينه أن الاستثمارات الحالية التي يتم القيام بها تفتقد للقدرة على خلق الثروة، وهو ما يشكل عائقا أساسيا أمام تحقيق تنمية حقيقية.
وكشف المحلل الاقتصادي بلغة الأرقام عن تراجع مقلق في الجدوى التشغيلية للنمو، حيث كانت كل نسبة نمو واحدة في فترة الثمانينيات تخلق ما بين ثلاثين ألفا وستة وثلاثين ألف منصب شغل، لتتراجع هذه النسبة في فترة التسعينيات وصولا إلى حدود سنة ألفين وعشرة إلى ما بين عشرين ألفا وخمسة وعشرين ألف منصب، في حين أضحت النسبة ذاتها اليوم عاجزة عن خلق أكثر من عشرة آلاف منصب شغل تقريبا.
وأشار الساري إلى غياب النجاعة في التعاطي مع هذه الأرقام، مبينا أن المفاخرة بتحقيق معدلات نمو مرتفعة تصطدم بواقع استنزاف ميزانيات ضخمة، ومستدلا في هذا الصدد ببلوغ ميزانية الاستثمار اليوم مستوى قياسيا يناهز ثلاثمائة وثمانين مليار درهم دون أن يترك ذلك أثرا ملموسا، وهو ما يترجمه الارتفاع المهول في نسب البطالة، خصوصا في صفوف الشباب التي تجاوزت عتبة سبعة وثلاثين بالمائة.
وتابع المصدر ذاته جرد مكامن الخلل، مسلطا الضوء على غياب التشجيع الكافي لخلق وتأسيس المقاولات الناشئة، لا سيما تلك التي تنشط في مجال الخدمات، والذي يعتبر مجالا حيويا قادرا على استيعاب طاقات مهمة من الشباب الباحث عن عمل والمساهمة في امتصاص جزء من البطالة.
وشدد المتحدث على أن منظومة التكوين الحالية لا تعتبر ناجعة ولا تساهم بالشكل المطلوب في خلق مناصب الشغل، موضحا أن التكوين الجامعي ذو الطابع الأكاديمي لا يتلاءم دائما مع متطلبات سوق العمل، ومستحضرا في هذا السياق مشروع مدن المهن والكفاءات الذي استهدف تغطية اثنتي عشرة جهة، غير أن ما تم إنجازه وتوفيره على أرض الواقع إلى حدود الساعة لا يتعدى تسع مدن فقط.
وخلص المحلل الاقتصادي في ختام تصريحه لجريدة العمق، إلى التأكيد على الحاجة الماسة لتجاوز كل هذه التحديات في مجال التشغيل، عبر تسطير وبلورة برامج طموحة تتسم بالنجاعة وتعود بالنفع على الجميع، مع ضرورة الحرص التام على أن تكون الاستثمارات المنجزة قادرة فعليا على خلق الثروة.
المصدر:
العمق