لم تعد الوجبة الأسرية الموحدة، التي تجمع أفراد الأسرة حول الطاجين أو الكسكس أو طبق واحد، حاضرة في عدد من البيوت في ظل تنوع الأذواق والاختيارات الغذائية داخل الأسرة الواحدة، حيث بات لكل فرد ما يفضله من أطعمة ضمن المائدة نفسها.
وبين وجبة تجمع الأسرة حول طبق واحد، ومائدة تتيح لكل فرد اختيار ما يناسب ذوقه، يبرز تحول في العادات الغذائية اليومية، يطرح بدوره تساؤلات حول إيجابيات وسلبيات هذا الانتقال، وتأثير تنويع الوجبة الواحدة وتعدد الوجبات الفردية على العادات الغذائية داخل الأسرة.
محمد أدهشور، أخصائي في التغذية العلاجية والسريرية، قال إن “طرق إعداد الطعام وتناوله في المغرب شهدت خلال السنوات الأخيرة تغيرات ملحوظة، بعدما تراجع حضور عدد من الأطباق التقليدية، مثل الطاجين والحريرة والكسكس، التي كانت ترتبط في الغالب بتقاليد الأكل الجماعي والاجتماع حول مائدة واحدة”، معتبرا أن “لهذا التحول أبعادا غذائية واجتماعية وسوسيولوجية في آن واحد”.
وأوضح أدهشور، في تصريح لهسبريس، أن “طرق الطهي التقليدية في المغرب تظل، من الناحية الغذائية، من الطرق الجيدة للحفاظ على جزء مهم من العناصر الغذائية الموجودة في مكونات الطعام، سواء تعلق الأمر بالطاجين أو غيره من أساليب الطهي المتداولة”، مبرزا أن “القيمة الغذائية لا ترتبط فقط بنوعية الأطباق، وإنما أيضا بطريقة إعدادها ومكوناتها”.
وأشار المتحدث إلى أن “من أهم مميزات النموذج الغذائي التقليدي انتظام مواعيد الوجبات؛ إذ كان أفراد الأسرة يجتمعون في وقت محدد لتناول وجبة الغداء، ثم يتكرر الأمر خلال وجبة العشاء، وهو ما كان يساهم في تنظيم نمط الأكل ويحد من تناول الطعام بشكل عشوائي ومتكرر بين الوجبات”.
وأضاف الأخصائي ذاته أن “تغير أنماط الحياة وتراجع حضور الأسر الكبيرة واللمات العائلية دفعا عددا من الأشخاص إلى تناول الطعام بشكل منفرد، مع الحرص أحيانا على تحديد مكونات الطبق وكمياتها وفقا للاحتياجات الغذائية الفردية، من بروتينات وخضر ومصادر للنشويات وغيرها، وهو ما يمكن أن تكون له، من زاوية التغذية، بعض الجوانب الإيجابية”.
غير أن هذا النمط الفردي، يضيف الأخصائي في التغذية العلاجية والسريرية، “يفقد الوجبة أحد أبعادها الاجتماعية والسوسيولوجية المهمة، المتمثل في اجتماع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، كما يؤدي إلى اختلاف توقيت تناول الطعام بين أفراد الأسرة؛ إذ قد يتناول شخص وجبته وقت الغداء، بينما يؤجلها آخر ساعة أو ساعتين، وقد يعود أحدهم إلى تناول وجبات أو مأكولات إضافية بين الوجبات الرئيسية”.
ولفت أدهشور إلى أن “غياب انتظام الوجبات قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى استهلاك كميات أكبر من الطعام، خصوصا عندما يتكرر الأكل على فترات متقاربة، بينما كان النظام التقليدي يفرض نوعا من الانتظام، بحيث يتناول الشخص وجبته في وقت محدد وبكمية معينة، ثم ينتظر إلى موعد الوجبة التالية”.
وشدد المتحدث لهسبريس على أن “الفارق بين الطريقتين لا يكمن بالضرورة في القيمة الغذائية للوجبة في حد ذاتها، بقدر ما يرتبط بطريقة تنظيم الاستهلاك”، مضيفا أن “النمط الفردي يمكن أن يساعد الشخص على ضبط مكونات وجبته وكمياتها وفقا لحاجياته، في حين تساهم الوجبة الجماعية في فرض إيقاع منتظم للأكل، وتساعد على معرفة الكمية التي يتم استهلاكها وعدم الإفراط فيها أو التقليل منها بشكل كبير”.
وخلص أدهشور إلى أن “الحفاظ على بعض عناصر النموذج الغذائي التقليدي، خصوصا انتظام مواعيد الوجبات والاجتماع حول المائدة، يمكن أن يظل مفيدا من الناحيتين الغذائية والاجتماعية، مع إمكانية الاستفادة في الوقت نفسه من الوعي الحديث بأهمية ضبط مكونات الوجبة وكمياتها وفقا للاحتياجات الفردية”.
ليلى بلهادي بنسامي، أخصائية في أمراض الغدد والسكري والتغذية، قالت إن “العادات الغذائية في المغرب شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة، انتقلت معها الأسر تدريجيا من النموذج الغذائي العائلي الذي يقوم على الاجتماع حول مائدة واحدة وفي أوقات محددة، إلى نمط أكثر فردانية، يتناول فيه كل فرد وجبته وفق توقيته واحتياجاته الخاصة”.
وأوضحت بلهادي بنسامي، في تصريح لهسبريس، أن “النموذج التقليدي كان يقوم على وجبات تُعدها ربات البيوت داخل المنزل، وتستند في الغالب إلى مواد طبيعية ومتنوعة من خضر وفواكه وغيرها، بما يضمن قدرا من التوازن الغذائي، ويسهم في تلبية حاجيات أفراد الأسرة، خصوصا الأطفال، ودعم نموهم بشكل سليم”.
وأضافت أن “هذا التحول يرتبط بمجموعة من العوامل، في مقدمتها ضغوط الوقت واشتغال الأبوين؛ إذ أصبح أفراد الأسرة يعودون إلى منازلهم في أوقات مختلفة، بينما يصل الأطفال من المدرسة في توقيت قد لا يتزامن مع عودة الآباء، ما يدفع إلى البحث عن حلول سريعة للأكل، سواء عبر اقتناء الوجبات الجاهزة أو الاعتماد على مواد مصنعة لا تتطلب سوى التسخين والتحضير في وقت وجيز”.
وأشارت الأخصائية في أمراض الغدد والسكري والتغذية إلى أن “احترام مواعيد الوجبات لم يعد كما كان في السابق، بعدما أصبح كل فرد يأكل بشكل منفصل ووفق التوقيت الذي يناسبه؛ فقد يشعر أحد أفراد الأسرة بالجوع قبل موعد الوجبة، فيفتح الثلاجة ويبحث عن طعام سريع، بينما يتناول آخر وجبته في وقت مختلف، وهو ما أضعف تدريجيا تقليد الاجتماع حول مائدة واحدة”.
ولفتت المتحدثة إلى أن “انتشار الوجبات السريعة لا يرتبط فقط بضيق الوقت، بل يتغذى أيضا على تأثير الإعلانات والوسائط الرقمية، إلى جانب توسع خدمات التوصيل السريع، التي جعلت الحصول على الطعام الجاهز أكثر سهولة، دون الحاجة إلى إعداد وجبة منزلية أو تخصيص وقت طويل لتناولها”.
وحذرت بنسامي من أن “الإشكال لا يكمن في سرعة إعداد هذه الوجبات فحسب، وإنما في طبيعتها الغذائية؛ إذ يعتمد جزء منها على مواد مصنعة تفتقر إلى الألياف وبعض الفيتامينات والمعادن، مقابل ارتفاع محتواها من الملح والدهون وغيرها من المكونات التي قد تصبح ضارة عند الإفراط في استهلاكها”.
وأكدت الأخصائية في أمراض الغدد والسكري والتغذية أن “استمرار هذا النمط الغذائي يمكن أن يساهم في ارتفاع معدلات السمنة وارتفاع ضغط الدم والكولسترول والسكري من النوع الثاني، فضلا عن عدد من الاضطرابات المرتبطة بالجهاز الهضمي، خصوصا أن الأطعمة المصنعة والجاهزة تكون في كثير من الحالات فقيرة للألياف، وهو ما قد ينعكس على صحة الجهاز الهضمي”.
وبحسب ليلى بلهادي بنسامي، فإن “التحول من الوجبة الجماعية إلى التغذية الفردانية لا يمثل مجرد تغيير في طريقة الأكل، بل يعكس تحولا أوسع في نمط الحياة والعلاقات داخل الأسرة والمجتمع، خصوصا مع اختلاف جداول العمل والدراسة بين الآباء والأبناء، ما يجعل فرص اجتماع أفراد الأسرة حول المائدة أقل من السابق”.
وشددت على أن “خطورة هذا التحول تتجلى أيضا في تغير طبيعة الأمراض المرتبطة بالتغذية، بعدما بدأت أمراض كانت تُسجل غالبا في مراحل عمرية متقدمة تظهر لدى فئات أصغر سنا، من بينها السكري من النوع الثاني واضطرابات الكولسترول والسمنة وغيرها من الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة والتغذية”.
المصدر:
هسبريس