آخر الأخبار

حضور بطعم الغياب.. بوسريف يرثي السرغيني شاعر "الغموض المضيء"

شارك

يمُوتُ الشَّاعر وحيداً، أعْزَل. ليس لأنَّ لا أحد معه، أو يرعاه، فالشَّاعر، بطبيعته، يعزل نفسَه ليبقى في مواجهة كلماته، في مواجهة مجازاته التي هي ما يَبْتَنِيه من أفق تخييلِيّ، لا يكون اللغةَ، بما هي مشترك بين الجميع، بل بما هي أسلوبٌ، وطريقَةٌ في النَّظر والرؤية، أو الرؤيا. ما يخُصُّ شاعراً بعينه، وهذا، بالذَّات، ما يكون من أسباب عزلة الشَّاعِر، وانحيازه لذاته، الذَّات الشَّاعرة التي لها إقامَتُها الخاصَّة في الوُجُود، أو وجودُها الخاصّ في هذه الإقامة.

هكذا أتصوَّر غياب محمد السرغيني الذي لازم فراشة لسنواتٍ، لا يتكلَّم، ولا يعرف ما يجري حَوْلَه، أو هكذا يمكن تصوُّر سنواته تلك، سنوات صمت لا يليق بشاعرٍ كان دائم الكتابة، لم ينقطع عنها، ولا هو ترك يده تَكْتُم رعشاته، أو تموت فيها رعشاتها التي هي ما نشأت به، وما وكانت عليه لأكثر من ستين سنةً، فيها راوح بين مدارس وتيارات، وأنماط شعرية مختلفة، لم يستقر في أرض، ولا في زاوية، فيها حشر نفسَه، بل كان كالطائر يُحلِّقُ في المساحات المُتاحَة، وما كان يكتشفه من فراغ، في مساحات أو فضاءات لم يكن غيره عرفها، أو دخل إليها.

لم ينشر السرغيني كُلّ ما كتبه، جزء من شعره، تركَهُ في المجلات والجرائد، رأى أنَّه ليس ما كان يصبو به إلى الشِّعْر، أو الكتابة، بالأحرى، كما سيكون في تجاربه الأخيرة، التي فيها الشِّعْر رَقَى بالشِّعْر، إلى ذلك الغُمُوض المُضيء، الذي كُلَّما اشْتَدَّ ضوْءُهُ، ازداد غُموضاً، لا ليكون إبهاماً، بل ليكون اسْتِكْشافاً، أو معنًى لا يفتأ يتشكَّل، يتلعثم، أو هو في طور الكلام الدَّائم، لا الكلام الذي يُقال دُفْعَةً واحدةً، ينتهي قبل أن يُلْفَظَ، أو يُلْفَظ مُنْتَهِياً.

الذين قرؤوا شعر محمد السرغيني، وَجَدُوه مُسْتَعْصِياً، مُغلَقاً، تتعذَّر عليهم مفاتيحُه، أو أنَّ المفاتيح ليست نفسَها كُلَّ مرَّة، وفي هذا يكون الشِّعْر تجربةً بالأسلوب، تجربة بالرؤيا، وتجربة بلُغَةٍ لا يمكن أن نقرأها خارج ذات الشَّاعر، وما تتقاطع به مع لُغَةٍ تتشكَّل إبَّان كتابتها، أو كما عند رولان بارث، فما يحدث في هذا السِّياق، يحدث، لا في اللفظ، بل في التَّلَفُّظ، وفي ما يصير عليه الأسلوب في بياض الصفحة.

هُنا، الكتابة تكون هي الشِّعْر، لا القصيدة التي هي شيء آخر، وهي ما حاول السرغيني الخُرُوج منه في تجربته الرومانسية، وفي ما كتبه من شعر بعدها، كان أفقاً فيه حدثت القطيعة مع ما سبق، ليس في تجربة الشَّاعر، بل في تجارب من كانوا معه من جيله، ومن جاؤوا بعده.

راهَنْتُ مع السرغيني، ونحن نناقش ما كتبه في سنواته الأخيرة على القادِم، لا الرَّاهِن، وافقني، ورأى أنَّ لوتريامون، راهن قبلَه على القادِم، على زمننا هذا، وما يليعه، بل وما سبقه من أزمنة تَلَتْ غِيَابَه، لِيَبْلُغ كُلَّ هذا الأزمنة، ويتخطَّاها، لأنَّ الصَّدَمات، أو الصَّفعات الثَّقافية والفنية الكبرى والعنيفة، بل المُخِيفَة، لا نعرف آثارها، إلَّا بعد حينٍ. وهذا، في تصوُّرِي، ما جعل السرغيني يبقى مُمْتَنِعاً، ليس على القُرَّاء، بل على الشُّعراء والباحثين والنُّقَّاد، ومنهم من قرأه من خارج تجربته هذه، أو اختزله في غيره ممن عاصروه، وهو كان خارج هذا كلِّه، داخل ذاته التي ظلَّ حبيساً فيها، صامتاً إلى أن لَفَظَ كلمتَه الأخيرة، تركنا نتهجَّاها، لنعرف ما أوْصَى به، أو ما كان وديعَتَه التي تركها في ذِمَّتِنا، دون أن يَشِي بما فيها من سِرٍّ وسِحْرٍ.

غيابُ الشَّاعرِ حضُورُه، صمْتُه كلامُه، وشِعْرُه سِحْرُهُ، وما يكون كرَّسَ لهُ وُجُودَهُ من مَوْتٍ، هو، في نهاية وُجُوده، بداية حياته، لكن، بما هي أبَدٌ، لا يحدثُ، ولا يكون إلَّا بالكتابة التي هي أثرٌ، قد يخْتَفِي لبعض الوقت، لكنه لا يمَّحِي، بل في تخَفِّيه يَشِي ويُوحِي.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا