خلف قرار المحكمة الدستورية بعدم البت في دستورية قانون تنظيم مهنة المحاماة لوجود عيب في الوثائق المرفقة، انتقادات واسعة للمحكمة ولرئيس مجلس النواب على حد سواء، ودفع العديد من المحامين إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا الإخلال مقصودا أم مجرد خطأ، وحول بقاء المحكمة صامتة لأزيد من شهر والمحامون في إضراب، وسبب عدم استحضارها للنسخة النهائية للقانون كما سبق أن فعلت في قانون المسطرة المدنية.
وتمر المحاكم المغربية من أكبر وأطول أزمة، بسبب خوض المحامين إضرابا مفتوحا عن العمل منذ حوالي شهرين، رفضا للقانون، وهو ما تسبب في تعطيل سير الجلسات، وأثر سلبا على مصالح المتقاضين، وخاصة المعتقلين، وفي جودة الأحكام الصادرة بلا دفاع…، وقد كان الأمل معقودا على قرار القضاء الدستوري من أجل عودة الحياة للمحاكم ولمكاتب المحامين. لكن المحكمة صرحت بتعذر البت، بسبب عدم تضمين رئيس مجلس النواب إحالته بالنسخة النهائية للقانون.
سحل بين أقدام أعلى المؤسسات
أمينة ماء العينين المحامية والقيادية بحزب العدالة والتنمية، وصفت ما جرى بكونه فضيحة جديدة تنضاف لسجل فضائح الأغلبية الحكومية والحزب المتزعم لها، إذ أخل رئيس مجلس النواب بأبسط شكليات الإحالة على المحكمة الدستورية.
وتساءلت في تدوينة لها عما إذا كان الطالبي العلمي وهو الذي عمر في مجلس النواب أخطأ فعلا هذا الخطأ الجسيم وغير المقبول، أم أن فعله متعمد. وما إذا كان سيعيد إحالة القانون على المحكمة الدستورية بعد تصحيح المسطرة ومعالجة الإخلال.
وفيما يخص جانب المحكمة الدستورية، فقد استغربت المتحدثة من انتظار المحكمة شهرا كاملا لتصرح بتعذر البت بسبب إخلال مسطري، كان يمكنها تداركه بالأمر باستحضار النسخة النهائية للقانون الصادرة بعد القراءة الثانية لمجلس المستشارين.
وأوضحت أن ذات المحكمة سبق لها أن تداركت خطأ مشابها وقع فيه الطالبي العلمي، خلال فحصها لدستورية قانون المسطرة المدنية، فأمرت المحكمة باستحضار النسخة النهائية، لتخوض بعدها مباشرة في جوهر القانون. وتساءلت “ما الذي تغير بين الأمس القريب واليوم؟ وكيف يمكن تفسير “الإنتقائية الإجرائية” للمحكمة الدستورية؟”.
ومن جهة أخرى اعتبرت المحامية أنه كان بإمكان المحكمة مراسلة رئيس مجلس النواب لإنذاره وتصحيح المسطرة بدل إهدار كل هذا الوقت للقول أخيرا بتعذر البت.
وأكدت أن ما حصل يسيء للمؤسسات ومصداقيتها، والجدية والكفاءة التي يجب أن تتسم بها وهي تباشر مهامها الدستورية الجسيمة التي لا تسمح بهذا النوع من الارتباك.
ونبهت ماء العينين إلى أن “القانون الذي يتعرض اليوم للسحل المسطري والتنكيل الإجرائي بين أقدام أعلى المؤسسات القانونية في البلد، يتسبب في شلل كبير بالمحاكم، وتضرر كبير لمصالح المتقاضين التي كان يجب أن تكون على رأس الأولويات لبعدها الحقوقي والأخلاقي، وهي الحقوق المهدورة التي تتحمل الحكومة الحالية مسؤوليتها الأولى والأخيرة”.
إخلال يمس بهيبة المؤسسات
وبدوره، اعتبر محمد النويني المحامي ورئيس الفضاء المغربي لحقوق الإنسان أن هذا الإخلال المسطري والإغفال الشكلي يمس بهيبة المؤسسات، التي تمثل جهة الإحالة المفروض فيها ضبط الاجراءات الشكلية التي ينبغي احترامها في عملية الإحالة، وهو نفس الأمر الذي حدث أيضا مع القانون المنظم للدفع بعدم الدستورية.
وأكد النويني أن الوضع يبقى على ما هو عليه إلى حين تصحيح المسطرة، مبرزا أن القانون المعتمد في تنظيم مهنة المحاماة هو القانون الحالي.
إحالة جديدة على المحكمة
ومن جهته، أكد المحامي محمد أغناج أن المحكمة الدستورية كان يمكنها الاستعانة بمقتضيات المادة 77 من قانون المسطرة المدنية، وخصوصا الفقرة السادسة منها والتي تنص على أنه “ينذر رئيس الهيئة أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية، عند الاقتضاء، كل طرف أو وكيله أو محاميه، بتدارك البيانات غير التامة أو التي وقع إغفالها، أو بالإدلاء بنسخ المقال الكافية والمستندات المعتمدة في المقال، وذلك داخل أجل يحدده، تحت طائلة الحكم بعدم القبول”.
واعتبر أغناج في تدوينة له أن إعمال هذه المادة كان يمكن أن يجنب مؤسسات دستورية مسؤولة حرج صدور مثل هذا القرار الذي لا يمكن إلا أن يثير الالتباس، ويخلق سابقة غير مفهومة.
وأكد المحامي أنه لا يزال من حق جهات الإحالة تقديم طلب إحالة جديد للمحكمة وتصحيح الخلل الشكلي الذي جعل المحكمة الدستورية تصدر قرار تعذر البت، وذلك داخل الأجل المستأنف.
تكرار الخطأ وضرورة التوضيح
ومن جهتها، اعتبرت فاطمة التامني النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار أن ما حدث يتطلب خروج رئيس مجلس النواب، صاحب الإحالة بتوضيح، وكتبت على صفحتها بـ”فيسبوك” “إذا كان هناك من خللا في إحالة قانون مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية، فالمسؤولية على عاتق المؤسسة البرلمانية، وهي مطالبة بالتوضيح”.
وكتبت فاطمة الزهراء برصات، عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية “هل ستظل المحكمة الدستورية تصدر قرارات في الشكل دون الخوض في المضمون بالنظر لخلل إجرائي أو مسطري مستهلِكةً بذلك الآجال الكاملة التي تُمكِّنُها من البت في الموضوع؟ وما لذلك من أثر على هدر الزمن التشريعي”.
وأضافت “إذا كان قضاؤنا الدستوري صارما إلى هذا الحد بخصوص احترام الإجراءات والمساطر الشكلية، لماذا لا يتم اعتماد هذه الصرامة المسطرية بالنسبة لكل القوانين؟ لأن نفس الخلل الذي عرفته مسطرة إحالة قانون المحاماة سبق وعرفته مسطرة إحالة قانون المسطرة المدنية.. لكن نفس المحكمة تجاوزت الخلل الشكلي، وجاء قرارها بالبت في مضمون النص!”.
كما انتقدت البرلمانية السابقة رئاسة مجلس النواب التي تقع في نفس الخطأ كل مرة، وتساءلت “هل الأمر مقصود أم غير مقصود ويتعلق باستهتار بضوابط الإجراءات المسطرية؟! علما أنني أستبعد الفرضية الثانية لأنني أعلم أن البرلمان يزخر بأطر عالية المستوى”.
المصدر:
لكم