قال الدكتور يس أفـقير، الأستاذ الجامعي المحاضر بالمعهد العالي للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بالرباط، والمتخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، إن محاولة عدد من المغاربة الوصول إلى مدينة سبتة لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها واقعة مرتبطة بالهجرة غير النظامية أو بحثا عن ظروف اقتصادية أفضل، معتبرا أن اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي وحده قد يحجب دلالاتها السياسية والاجتماعية الأعمق.
وأوضح أفـقير، في تصريح للعمق، أن الأمر يتعلق بظاهرة تكشف، في تقديره، عن وجود مسافة آخذة في الاتساع بين جزء من الشباب وبين تصوره لمستقبله داخل المجال الوطني، مشيرا إلى أن الهجرة، من منظور العلوم السياسية، لا تبدأ دائما عند الحدود، وإنما قد تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يشعر الفرد بأن المجال الذي يعيش فيه لم يعد قادرا على استيعاب طموحاته أو توفير المسارات التي تمكنه من تحويل طموحه إلى واقع.
وأضاف أن الوصول إلى سبتة، في هذه الحالة، لا يمثل فقط انتقالا جغرافيا من ضفة إلى أخرى، وإنما قد يتحول في الوعي الفردي إلى انتقال رمزي من واقع ينظر إليه باعتباره محدود الإمكانات إلى فضاء يتخيل باعتباره أكثر قدرة على منح الفرص.
واعتبر أن خطورة الظاهرة تكمن في أنها لا تتعلق فقط بشاب يريد الهجرة، وإنما بشاب يعيد تعريف معنى النجاح نفسه، موضحا أنه إذا أصبح النجاح، في المخيال الاجتماعي، مرتبطا أساسا بالقدرة على مغادرة الوطن، فإن الأمر يعكس تحولا في علاقة فئة من الشباب بالمجال الوطني، من مجال تبنى فيه المشاريع إلى مجال يراد تجاوزه.
وأوضح أن هذه المسألة تتجاوز الهجرة بمعناها التقليدي لتصبح مرتبطة بالثقة، والاندماج الاجتماعي، والشرعية الرمزية للمؤسسات، وقدرة الدولة على إقناع مواطنيها بأن المستقبل يمكن أن يصنع داخل حدودها أيضا.
وأشار إلى أن سبتة ليست مجرد نقطة جغرافية في هذه المعادلة، بل تحمل رمزية خاصة، بالنظر إلى وجودها على التراب الإفريقي، وقربها الجغرافي من المغرب، وارتباطها بالمجال الأوروبي، وهو ما يجعلها في المخيال العام أقرب إلى “الحد الفاصل” بين عالمين.
وبحسب أفـقير، قد تختزل سبتة بالنسبة إلى بعض الشباب فكرة أوروبا نفسها؛ أي أوروبا القريبة جغرافيا، والبعيدة اجتماعيا واقتصاديا، والتي تبدو أحيانا وكأنها تبدأ خلف سياج أو حدود يمكن تجاوزها.
وشدد على ضرورة الانتباه إلى أن الهجرة غير النظامية ليست دائما تعبيرا عن الفقر المطلق، إذ قد يكون صاحب قرار الهجرة شخصا يمتلك تعليما أو مهارات أو طموحا، لكنه لا يرى أن المسار المتاح أمامه داخل بلده يتناسب مع انتظاراته.
وأكد أن هذا الفرق مهم جدا في التحليل السياسي، لأن الدول لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها ومنع الهجرة غير النظامية، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج الثقة، وتوفير الأفق، وتحويل الطموحات الفردية إلى إمكانات اجتماعية واقتصادية حقيقية.
وبالتالي، فإن المقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورية في تدبير الحدود، لا تستطيع وحدها معالجة ظاهرة توجد جذورها في الاقتصاد والمجتمع، وفي منظومة التمثلات والتوقعات، وفق الأستاذ الجامعي.
وفي تقديره، فإن الرسالة الأعمق التي تحملها هذه الظاهرة تتمثل في أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الهجرة غير النظامية، وإنما مع الإحساس بأن المستقبل موجود في مكان آخر، معتبرا أن إعادة بناء العلاقة بين الشباب والمستقبل، وجعل الوطن فضاء ممكنا لتحقيق الطموح وليس مجرد فضاء للانتظار، من شأنهما معالجة جزء أساسي من المشكلة من جذورها.
ولذلك، دعا أفـقير إلى عدم النظر إلى هؤلاء الشباب باعتبارهم مجرد مخالفين للقانون أو مجرد أرقام في إحصاءات الهجرة، كما حذر، في المقابل، من تقديم الهجرة باعتبارها الحل السحري لمشكلات الشباب.
وقال إن المطلوب هو قراءة الظاهرة باعتبارها إشارة سياسية واجتماعية تستوجب الإنصات، موضحا أن جزءا من الشباب لا يرفض بالضرورة وطنه، وإنما قد يكون في لحظة ما غير مقتنع بأن هذا الوطن يمنحه المسار الذي يطمح إليه.
وفي السياق ذاته، اعتبر أفـقير أن تفسير الهجرة غير النظامية نحو سبتة بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية وحدها سيكون تبسيطا منهجيا، كما أن اختزالها في فقدان الثقة أو في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي سيكون بدوره غير دقيق، مؤكدا أن الأمر يتعلق بظاهرة مركبة تتداخل فيها المحددات الداخلية مع التحولات الدولية، ويتقاطع فيها الاقتصادي بالسياسي، والاجتماعي بالرقمي، والوطني بالمغري الأوروبي.
وأوضح، من منظور العلاقات الدولية، أن الهجرة لم تعد مجرد انتقال للأفراد من دولة إلى أخرى، وإنما أصبحت جزءا من التفاعلات بين الدول والمجتمعات، مشيرا إلى أن الحدود اليوم ليست مجرد خطوط جغرافية تفصل بين سيادتين، بل أصبحت فضاءات للتفاوض والصراع والتعاون في الوقت نفسه.
وأضاف أن سبتة تجسد هذه المفارقة بشكل واضح، فهي جغرافيا تقع في إفريقيا، لكنها مرتبطة بالفضاء الأوروبي، الأمر الذي يجعلها في وعي بعض الشباب المغربي أقرب إلى بوابة رمزية نحو أوروبا.
وتوقف عند ما وصفه بـ”فجوة التوقعات”، موضحا أن الشاب لا يقارن بالضرورة بين واقعه الحالي وواقع أوروبي حقيقي بكل تعقيداته، وإنما يقارن بين واقعه وبين صورة متخيلة عن أوروبا تصل إليه يوميا عبر الهاتف والمنصات الرقمية.
وأشار إلى أن الفضاء الرقمي أصبح يؤدي وظيفة تتجاوز التواصل، إذ يعيد إنتاج صور عن الرفاه والنجاح والحرية والفرص، وفي المقابل يعرض، بشكل مباشر أو غير مباشر، صورا عن الفشل والانسداد داخل المجتمعات الأصلية.
واعتبر أن هذه النقطة مهمة في فهم ظاهرة الهجرة المعاصرة، لأن القوة لم تعد تمارس فقط من خلال الاقتصاد أو السلاح أو المؤسسات، وإنما أيضا من خلال القدرة على إنتاج الصور والتصورات والتطلعات.
وأوضح أنه عندما تصبح دولة أو منطقة ما قادرة على الظهور في مخيال الشباب باعتبارها فضاء للفرصة، فإنها تمارس نوعا من الجاذبية يتجاوز الحدود المادية، ومن هنا يمكن النظر إلى أوروبا، بالنسبة إلى بعض الفئات، باعتبارها قوة جذب رمزية قبل أن تكون وجهة جغرافية.
غير أنه شدد، في المقابل، على أنه لا ينبغي تحميل وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية الظاهرة، موضحا أنها لا تصنع وحدها الرغبة في الهجرة، وإنما تعمل غالبا على تسريعها وتضخيمها ومنحها لغة وصورا وقصصا ونماذج جاهزة.
وأوضح أن الشاب عندما يرى تجربة فردية ناجحة في الخارج قد لا يرى السنوات الصعبة التي سبقتها، ولا الوضع القانوني أو الاجتماعي الحقيقي لصاحب التجربة، وإنما يرى النتيجة النهائية فقط، وهو ما يجعل التجربة الفردية تتحول إلى نموذج اجتماعي، ويتحول النموذج إلى حلم جماعي.
أما مسألة فقدان الثقة، فيرى أفـقير أنها أعمق من مجرد عدم الثقة في الوضع الاقتصادي، لأنها ترتبط بالثقة في إمكانية المستقبل.
وأوضح أن الإنسان قد يكون قادرا على تحمل صعوبة الحاضر إذا كان مقتنعا بأن الغد سيكون أفضل، لكنه يصبح أكثر استعدادا للمغادرة عندما يشعر بأن الحاضر الصعب لن يقود إلى مستقبل مختلف.
وأكد أن أخطر ما في الهجرة غير النظامية ليس فقط خروج الأشخاص، وإنما احتمال تحول “المغادرة” إلى تصور طبيعي عن المستقبل.
ومن زاوية العلاقات الدولية، أشار أفـقير إلى عنصر آخر ينبغي عدم إغفاله، يتمثل في تحول الهجرة إلى إحدى أدوات التفاعل والتفاوض بين الدول، موضحا أن الدول الأوروبية تنظر إلى الهجرة باعتبارها قضية أمنية وسياسية، بينما تنظر إليها الدول المصدرة أو المعبرة عنها باعتبارها قضية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وإنسانية.
وأضاف أن الحاجة إلى التعاون تنشأ بين هذين المنظورين، لأن الدولة لا تستطيع أن تدير ملف الهجرة بمعزل عن الدولة الأخرى.
وينطبق ذلك، بحسبه، بصورة خاصة على العلاقة المغربية الإسبانية، إذ إن الهجرة ليست ملفا منفصلا عن باقي الملفات التي تحكم العلاقات الثنائية، وإنما أصبحت جزءا من منظومة أوسع تشمل الأمن، والتعاون الاقتصادي، والتنسيق الحدودي، والتعاون الإقليمي.
ومن ثم، يرى أفـقير أن أحداث سبتة ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها أزمة حدودية فقط، وإنما باعتبارها اختبارا مستمرا لقدرة التعاون المغربي الإسباني على معالجة الأسباب والنتائج في آن واحد.
وشدد على أن المقاربة الأمنية، رغم ضرورتها في حماية الحدود وتنظيم حركة الأشخاص، لا تستطيع وحدها إنتاج حل مستدام، لأن الدافع إلى الهجرة عندما يكون مرتبطا بتصورات عميقة حول المستقبل، فإن تشديد الحدود قد يغير الطريق، لكنه لا يغير الرغبة، وقد يؤدي إلى انتقال الهجرة من مسار إلى آخر بدل القضاء على دوافعها.
ودعا، في هذا السياق، إلى الانتقال من إدارة الحدود إلى “إدارة الأمل”، موضحا أن الأمر لا يتعلق بخطاب عاطفي، وإنما بسياسات عمومية قادرة على جعل التعليم والتكوين والعمل والحركية الاجتماعية والعدالة المجالية والارتقاء الاجتماعي مسارات واقعية وليست مجرد وعود.
وفي ما يتعلق بمواجهة خطابات التيئيس، يرى أفـقير أن الأمر لا يمكن أن يتم بخطاب رسمي مضاد فقط، لأن الخطاب لا يستطيع هزيمة خطاب آخر إذا لم تسنده الوقائع.
وأكد أن أفضل رد على خطاب التيئيس هو إنتاج واقع يبعث على الثقة، موضحا أنه عندما يرى الشاب أن الكفاءة يمكن أن تقوده إلى فرصة، وأن الاجتهاد يمكن أن ينتج حركية اجتماعية، وأن الدولة قادرة على الاستماع إلى انتظاراته والاستجابة لها، فإن جاذبية الهجرة تتغير تلقائيا.
وبناء على ذلك، يرى أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بسبب رغبة بعض الشباب في الوصول إلى سبتة، وإنما بكيفية تحول المستقبل الأوروبي، في مخيال بعضهم، إلى مستقبل أكثر قابلية للتصديق من المستقبل الذي يمكن أن يصنعوه داخل وطنهم.
وأكد أن الهجرة غير النظامية في هذه الحالة ليست مجرد حركة أشخاص عبر الحدود، وإنما هي أيضا حركة للأحلام والتوقعات من فضاء وطني إلى فضاء دولي.
وأشار إلى أن معالجة الظاهرة من جذورها تقتضي إعادة بناء العلاقة بين الشباب والمستقبل، وجعل الانتماء إلى الوطن مرتبطا بإمكانات حقيقية للعيش الكريم والترقي الاجتماعي، وليس بمجرد الدعوة إلى البقاء، معتبرا أنه عندما يصبح الوطن قادرا على إقناع شبابه بأن المستقبل ليس بالضرورة خلف الحدود، فإن البلاد تكون قد بدأت فعليا في معالجة الهجرة من منبعها، لا من نهايتها.
وفي ما يتعلق بانعكاسات الهجرة نحو سبتة على العلاقات المغربية الإسبانية، اعتبر أفـقير أن الظاهرة تشكل أحد الملفات الحساسة في العلاقات بين البلدين، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بقضايا الحدود والأمن والتعاون الثنائي، فضلا عن بعدها الإنساني والاجتماعي.
وأوضح أن أي تطور في هذا الملف يمكن أن يترك انعكاسات على مستوى العلاقة بين البلدين، خصوصا عندما تتحول الهجرة من ظاهرة اجتماعية إلى ضغط مباشر على الحدود أو إلى موضوع حاضر بقوة في النقاش السياسي والإعلامي.
غير أنه شدد على أن الهجرة لا ينبغي أن تتحول إلى عنصر يطغى على مجمل العلاقات المغربية الإسبانية، لأن العلاقة بين البلدين أوسع بكثير من هذا الملف، مشيرا إلى وجود مصالح اقتصادية وتجارية وأمنية واستراتيجية متبادلة تجعل من الاستقرار في العلاقات بين الرباط ومدريد مصلحة مشتركة للطرفين.
ومن ثم، يرى أن تدبير ملف الهجرة يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة السياسية حتى لا تتحول الحالات والوقائع الظرفية إلى أزمات دبلوماسية أوسع.
وأكد أن المقاربة الأمنية تظل ضرورية، لأن حماية الحدود ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر والهجرة غير النظامية مسؤولية أساسية للدول، كما أن التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا يشكل أحد عناصر الاستقرار في المنطقة.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الأمن وحده لا يمكن أن يكون جوابا نهائيا على ظاهرة لها جذور اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية، موضحا أن تشديد الرقابة على الحدود، عندما تكون دوافع الهجرة مرتبطة بضعف الفرص أو بغياب الأفق أو بالشعور بعدم القدرة على تحقيق الطموحات، قد يمنع محاولة معينة، لكنه لا يلغي الرغبة في الهجرة.
واعتبر أن المعالجة الأمنية، إذا لم تترافق مع معالجة للأسباب، قد تؤدي إلى تغيير مسارات الهجرة بدل إنهائها.
ومن هنا تبرز، بحسبه، أهمية الانتقال من تدبير الهجرة إلى تدبير أسبابها، وهو ما يقتضي توسيع التعاون المغربي الإسباني ليشمل التنمية والتكوين والتشغيل والاستثمار ودعم المبادرات الاقتصادية وخلق فرص حقيقية أمام الشباب، إلى جانب تطوير مسارات قانونية ومنظمة للحركية والعمل.
كما دعا إلى إعادة النظر في مفهوم الشراكة في هذا المجال، موضحا أن المغرب لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره بلدا مطالبا بضبط تدفقات الهجرة، كما لا ينبغي أن تُختزل إسبانيا في كونها مجرد بلد استقبال.
وأكد أن كلا البلدين يواجه تحولات ديموغرافية واقتصادية وأمنية عابرة للحدود، وبالتالي فإن المصلحة المشتركة تقتضي البحث عن حلول تتجاوز منطق المسؤولية الأحادية.
وأشار إلى أن سبتة تكتسب خصوصية إضافية بسبب موقعها الجغرافي والسياسي، وبسبب تداخل قضايا الحدود والهجرة والأمن فيها، وهو ما يجعل التعامل مع أي أحداث مرتبطة بها يحتاج إلى قدر كبير من ضبط النفس والحوار والتنسيق، حتى لا تتحول الوقائع الإنسانية والاجتماعية إلى مصدر توتر دائم بين البلدين.
وفي تقديره، فإن أفضل مقاربة هي التي تجمع بين الأمن والتنمية والدبلوماسية؛ فالأمن يحمي الحدود ويمنع استغلالها من طرف شبكات الاتجار بالبشر، والتنمية تقلل من دوافع الهجرة، والدبلوماسية تضمن استمرار الحوار والتنسيق عندما تظهر الأزمات.
كما شدد على أن التعاون ينبغي ألا يكون موسميا أو مرتبطا فقط بفترات ارتفاع تدفقات الهجرة، وإنما ينبغي أن يكون تعاوناً مؤسساتيا واستباقيا يقوم على تبادل المعلومات والتنسيق ومعالجة الأزمات قبل تفاقمها، وربط السياسة الأمنية بسياسات التنمية والحركية القانونية.
وأكد أن الشباب الذين يفكرون في الهجرة لا ينبغي التعامل معهم فقط باعتبارهم موضوعا أمنيا، لأنهم في جانب كبير منهم تعبير عن تطلعات اجتماعية مشروعة، حتى وإن كانت بعض طرق تحقيقها غير قانونية.
ومن ثم، فإن مواجهة الهجرة غير النظامية، بحسبه، لا تعني مواجهة طموح الشباب، وإنما توفير بدائل قانونية وواقعية لهذا الطموح.
واعتبر أن قوة التعاون المغربي الإسباني ستظهر تحديدا في القدرة على تحويل الملفات الحساسة إلى مجالات للتعاون بدل أن تصبح مصادر للتوتر، مشيرا إلى أن الهجرة يمكن أن تكون نموذجا لذلك.
وأوضح أنه إذا تمت مقاربة الهجرة بمنطق أمني صرف، فستظل مشكلة متكررة على الحدود، أما إذا تمت مقاربتها ضمن رؤية أوسع تجمع حماية الحدود بالتنمية والحركية القانونية والتعاون الاقتصادي والحوار السياسي، فإنها يمكن أن تتحول من نقطة ضغط إلى مجال لتعميق الشراكة.
وبالتالي، يرى أفـقير أن الرهان لا يكمن فقط في منع الشباب من الوصول إلى سبتة، وإنما في بناء الظروف التي تجعل الهجرة غير النظامية أقل إغراء وأقل ضرورة، وفي جعل المستقبل داخل الوطن خيارا واقعيا ومقنعا، معتبرا أن هذه هي المعالجة الأكثر استدامة للظاهرة لأنها لا تكتفي بإدارة نتائجها، بل تعمل على معالجة جذورها.
وفي ما يتعلق بالحلول الكفيلة بالحد من استمرار الهجرة غير النظامية، أكد أفـقير أن معالجة الظاهرة لا يمكن أن تتم فقط عبر تشديد المراقبة على الحدود، لأن الحدود تستطيع أن تمنع العبور، لكنها لا تستطيع وحدها أن تمنع الرغبة في المغادرة.
وأوضح أن معالجة هذا “النزيف” تقتضي الانتقال من سياسة التعامل مع نتائج الهجرة إلى سياسة معالجة أسبابها، ومن منطق المنع إلى منطق بناء البدائل.
واعتبر أن أولى هذه البدائل تتمثل في إعادة بناء الثقة بين الشباب والمستقبل، موضحا أن الشاب لا يحتاج فقط إلى خطاب يدعوه إلى البقاء، وإنما يحتاج إلى أسباب واقعية تجعله مقتنعا بأن البقاء يمكن أن يكون اختيارا ناجحا.
وشدد على أن الثقة لا تبنى بالكلمات، وإنما بالقدرة على تحويل التعليم والتكوين والكفاءة والطموح إلى فرص حقيقية في العمل والاستقرار والترقي الاجتماعي.
كما أكد أن مواجهة الظاهرة تقتضي مراجعة العلاقة بين التكوين وسوق الشغل، موضحا أنه كلما اتسعت الفجوة بين ما يتعلمه الشباب وبين ما يجدونه من فرص بعد التخرج، أصبح الإحباط أكثر قابلية للتحول إلى رغبة في الهجرة.
وأشار إلى أن الاستثمار في التكوين المهني، وربط التعليم بالحاجات الحقيقية للاقتصاد، وتشجيع الابتكار والمقاولة، وتسهيل ولوج الشباب إلى سوق الشغل، كلها ليست فقط سياسات اقتصادية، وإنما أيضا سياسات لبناء الاستقرار الاجتماعي والثقة في المستقبل.
واعتبر أن التشغيل يظل نقطة مركزية في هذه المعادلة، لكن المطلوب ليس مجرد توفير أي عمل، وإنما توفير عمل يمنح الإنسان الإحساس بالقيمة والاستقرار وإمكانية التطور، موضحا أن الشباب اليوم لا يقارن فقط بين راتب وراتب، وإنما يقارن بين نمطين من الحياة، وبين مقدار ما يستطيع أن يحققه من استقلالية وكرامة وحركية اجتماعية.
ومن جهة أخرى، دعا إلى التعامل بجدية أكبر مع الفضاء الرقمي، لأن جزءا من صورة الهجرة يبنى اليوم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن المطلوب ليس الدخول في مواجهة مع هذه المنصات، وإنما تطوير خطاب واقعي ومتوازن يكشف حقيقة تجارب الهجرة، بما فيها صعوباتها ومخاطرها، وفي الوقت نفسه يبرز قصص النجاح الممكنة داخل المغرب، مؤكدا أن مواجهة التيئيس لا تكون بخطاب متفائل مصطنع، وإنما بإنتاج واقع يجعل التفاؤل قابلا للتصديق.
وأشار كذلك إلى أن المجتمع نفسه يتحمل مسؤولية في هذه المعركة، لأن الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع المدني ليست مؤسسات منفصلة عن صناعة تصور الشباب للمستقبل.
وأكد أنه كلما نجحت هذه المؤسسات في منح الشباب الإحساس بالانتماء والمشاركة والقدرة على التأثير، تراجعت قابلية الإحباط للتحول إلى قرار بالرحيل.
وفي المقابل، شدد على أنه لا ينبغي النظر إلى الرغبة في الهجرة باعتبارها ظاهرة مرضية في حد ذاتها، لأن الإنسان بطبيعته يبحث عن تحسين ظروف حياته، والهجرة القانونية يمكن أن تكون فرصة للتعلم والعمل واكتساب الخبرات.
وأوضح أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تصبح الهجرة غير النظامية هي الطريق الوحيد الذي يتخيله الشاب لتحقيق ذاته، أو عندما يتحول حلم أوروبا إلى بديل كامل عن حلم النجاح داخل الوطن.
ومن هنا، أبرز أهمية تطوير قنوات قانونية ومنظمة للحركية، خصوصا في مجالات العمل والتكوين والتبادل الأكاديمي، موضحا أن فتح آفاق قانونية أمام الشباب لا يعني تشجيع الهجرة، بل يعني تحويل الحركية البشرية من مسار محفوف بالمخاطر إلى مسار منظم يمكن أن تستفيد منه الدول والمجتمعات والأفراد.
كما أكد أن التنمية المجالية تظل عاملا حاسما، لأنه لا يمكن مطالبة الشباب في المناطق التي تعاني من ضعف الفرص الاقتصادية والاجتماعية بالتشبث بالمستقبل إذا لم يجدوا في محيطهم ما يسمح لهم ببناء ذلك المستقبل.
ودعا، في هذا السياق، إلى تعزيز العدالة المجالية، والاستثمار في المناطق الهشة، ودعم المشاريع المحلية، وتوفير البنيات الأساسية، معتبرا أن كل هذه العناصر تدخل في صميم سياسة الحد من دوافع الهجرة.
وشدد على أن الأهم من كل ذلك هو إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشباب، موضحا أن الشباب لا يريد فقط أن يكون مستفيدا من السياسات العمومية، وإنما يريد أن يشعر بأنه شريك في صناعة المستقبل.
ولذلك، يرى أن إشراك الشباب في النقاش العمومي، والاستماع إلى انتظاراته، وتوسيع فضاءات المشاركة، وتعزيز الإحساس بالإنصاف وتكافؤ الفرص، كلها عناصر أساسية في إعادة بناء الثقة.
وخلص أفـقير إلى أن المعركة الحقيقية ضد الهجرة غير النظامية ليست معركة ضد الشباب، وإنما هي معركة من أجل المستقبل الذي يبحث عنه الشباب، موضحا أنه إذا كان الشاب يبحث عن الكرامة والاستقرار والفرصة والاعتراف، فإن أفضل سياسة للهجرة هي جعل هذه العناصر ممكنة داخل الوطن.
وأكد أن الهدف لا ينبغي أن يكون جعل الشباب يختار المغرب لأنه لا يستطيع المغادرة، وإنما أن يختاره لأنه يرى فيه فرصة حقيقية لبناء حياته، مشددا على أن الفرق كبير بين البقاء اضطرارا والبقاء اقتناعا.
واعتبر أن المغرب يمتلك من الإمكانات البشرية والاقتصادية والمؤسساتية ما يسمح ببناء هذا الأفق، غير أن الرهان يحتاج إلى سياسات أكثر استباقية، وإلى استثمار أكبر في الإنسان، وإلى ربط التنمية بالثقة، وإلى تحويل طاقات الشباب من طاقات تبحث عن منفذ للخروج إلى طاقات تشارك في صناعة المستقبل.
وأكد أن مواجهة الهجرة غير النظامية لن تُحسم فقط عند الحدود، وإنما تبدأ قبل الحدود بكثير: في المدرسة، والجامعة، وسوق الشغل، والأسرة، والإعلام، والسياسات العمومية، وفي كل مكان يتشكل فيه تصور الشاب عن مستقبله.
وخلص إلى أنه كلما أصبح المستقبل داخل المغرب أكثر وضوحا ومصداقية، تراجع ذلك الإحساس بأن النجاح لا يمكن أن يتحقق إلا خلف الحدود.
المصدر:
العمق