كشفت صحيفة إل باييس الإسبانية عن تفاصيل موجة الهجرة الاستثنائية التي عرفتها مدينة سبتة المحتلة، حيث حاول أكثر من سبعين ألف شخص عبور الحدود نحو مدينة سبتة في أواخر شهر يوليوز، مما أسفر عن وفاة ما لا يقل عن 142 شخصا ومضاعفة عدد سكان المدينة بشكل مفاجئ استنفر مختلف السلطات المعنية في المنطقة، وفق ما اوردته “إل باييس”.
وأوضحت الصحيفة ذاتها أن الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية الإسبانية تشير إلى بقاء حوالي ألفي مهاجر في المدينة بعد عودة الأغلبية بسبب نقص الإمدادات وصعوبة العبور إلى أوروبا، بينما يظهر الواقع الميداني في شوارع سبتة تواجدا يقدر بنحو خمسة آلاف شاب، إلى جانب مئات من الوافدين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، يفترشون الحدائق والشواطئ ومستودعات تفتقر للظروف الملائمة.
ونقل المنبر الإعلامي الإسباني شهادات حية لمهاجرين، من بينهم قاصر تدعى هبة تبلغ من العمر ستة عشر عاما قطعت مسافة ثلاثين كيلومترا مشيا من تطوان، وشاب يدعى زياد يبلغ سبعة عشر عاما عاد أدراجه بعدما تأثر بما تروج له وسائل التواصل الاجتماعي حول سهولة العبور، ليصطدم بواقع غياب المؤن وصعوبة الوصول إلى الجزيرة الخضراء.
وأشارت المادة ذاتها إلى الدور الكبير الذي لعبته حملات التضليل الرقمي في تأجيج هذا النزوح الجماعي، حيث تم الترويج لتفسير خاطئ لحكم صادر عن المحكمة العليا الإسبانية يوهم بعدم إمكانية ترحيل الوافدين عبر البحر، وهي مغالطات ساهمت خوارزميات المنصات والحسابات الآلية في تضخيمها وتوسيع رقعة انتشارها بشكل سريع.
وأضافت الجريدة أن الدوافع العميقة لهذه التدفقات ترتبط بعوامل سوسيو اقتصادية، مبرزة أن نسبة البطالة بين الشباب تقارب ثلاثين في المائة، ورغم التطور الذي يشهده الاقتصاد المغربي وتوقعات صندوق النقد الدولي بتسجيل نمو يفوق أربعة في المائة، إلا أن الفوارق تظل واضحة مقارنة بإسبانيا، خاصة على مستوى الحد الأدنى للأجور ومعدلات الدخل الفردي.
وسجلت اليومية الإسبانية الانعكاسات الجيوسياسية لهذه الأزمة على التماسك الأوروبي، حيث أدت الأحداث إلى تعليق العمل باتفاقية شنغن بين إسبانيا وإيطاليا، وسط مخاوف من استغلال مقاطع الفيديو الخاصة بهذا التدفق في الحملات الانتخابية للأحزاب اليمينية المتطرفة في عدة دول أوروبية خلال الأشهر المقبلة.
وبينت الصحيفة حجم الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي إزاء هذا الوضع، حيث تبنت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين موقفا متشددا، في حين حذر الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية جوزيب بوريل من حالة الذعر التي أصابت أوروبا، مشيرا إلى أن إسبانيا باتت معزولة وأن التضامن الأوروبي أظهر ضعفا كبيرا في التعامل مع هذه التحديات المشتركة.
وأكدت نائبة رئيس المفوضية الأوروبية تيريزا ريبيرا، في تصريح خصت به الصحيفة، أن حماية الحدود تمثل عنصرا أساسيا في الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، تماما كقطاعات الطاقة والتكنولوجيا، داعية إلى ضرورة الاستعداد للتعامل مع تدفقات الهجرة المتزايدة مع الالتزام التام باحترام مقتضيات القانون الدولي وحقوق الإنسان الأساسية.
وأبرزت المادة المنشورة ملامح النموذج الأوروبي لتدبير ملف الهجرة، والذي يعتمد بشكل كبير على إبرام اتفاقيات للتعاون مع دول الجوار لتأمين الحدود، مشيرة إلى تخصيص ميزانيات مالية لدعم هذه الجهود، وموضحة أن مدريد سعت لضمان توفير تمويلات أوروبية للمساعدة في تقليص أعداد الوافدين عبر الحدود الجنوبية.
واعتبرت الأستاذة الجامعية بثينة الإسماعيلي الإدريسي، في تحليل نقلته الصحيفة، أن هذه الأحداث تسلط الضوء على هشاشة نموذج الهجرة الأوروبي الذي يتأثر بالتقلبات السياسية، مشيرة إلى وجود ترابط غير متكافئ بين الضفتين، ومؤكدة أن السياق الجيوسياسي وتطلعات الشباب تلعب دورا محوريا في رسم مسارات هذه التدفقات البشرية المستمرة.
وختمت الصحيفة مقالها بالإشارة إلى التناقض بين المخاوف المبالغ فيها والأرقام الحقيقية، حيث انخفض عدد المهاجرين غير النظاميين الوافدين إلى الاتحاد الأوروبي الذي يضم 450 مليون نسمة، من 275 ألفا سنة 2023 إلى 207 آلاف سنة 2024، مع توقعات بوصولهم إلى 150 ألفا فقط بحلول سنة 2025، مما يدحض الروايات المأساوية التي يروج لها اليمين المتطرف مستغلا صورا كالصادرة مؤخرا عن أزمة مدينة سبتة المحتلة.
المصدر:
العمق