آخر الأخبار

68 مليار درهم في 6 أشهر.. محلل: أزمة النفط تثقل كاهل اقتصاد المغرب وأنبوب نيجيريا قد يغير القواعد

شارك

قال الدكتور المهدي قيل، الأستاذ المحاضر المتخصص في الاقتصاد والتدبير، إن النفط لم يعد مجرد مادة أولية تخضع لقانون العرض والطلب، بل تحول إلى أصل جيوسياسي تتحدد قيمته من خلال تفاعل ثلاثة متغيرات مترابطة، تتمثل في القدرة الإنتاجية، وأمن الممرات البحرية، وتوقعات الفاعلين بشأن مسار النزاعات الدولية.

وأوضح قيل، في تصريح لجريدة “العمق”، أن قراءة الاقتصاد النفطي الراهن تستوجب تجاوز متابعة السعر اللحظي للبرميل، والانتقال إلى تحليل استراتيجيات الدول المنتجة والمستهلكة، إلى جانب القوى المتحكمة في طرق عبور النفط والغاز، مشيرا إلى أن خام برنت أنهى تداولات الجمعة 7 غشت 2026 عند 83.55 دولارا للبرميل، بينما استقر خام غرب تكساس الوسيط عند 78.18 دولارا.

واعتبر قيل أن هذه المستويات تعكس استمرار علاوة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالغموض المحيط بإعادة فتح مضيق هرمز وشروط المرور عبره، أكثر مما تعكس وجود شح جيولوجي دائم في موارد النفط.

هرمز يعيد تسعير المخاطر

وأوضح الأستاذ المحاضر أن مضيق هرمز كان يؤمن، قبل الحرب، ممرا لنحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط، ونحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يجعل كل إشارة تفاوضية أو عسكرية مرتبطة بالمضيق قادرة على تحريك الأسعار في الاتجاهين خلال فترة وجيزة.

وتؤكد بيانات الوكالة الدولية للطاقة أن قرابة 20 مليون برميل يوميا كانت تعبر المضيق خلال 2025، بما يعادل نحو 20 في المائة من الاستهلاك النفطي العالمي، إلى جانب نحو 19 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال.

وفي هذا السياق، لفت “قيل” إلى أن العرض النفطي العالمي تعافى خلال يونيو بنحو 4.1 ملايين برميل يوميا، ليبلغ 98.8 مليون برميل، بعد الاستئناف الجزئي لحركة العبور، لكنه ظل أقل بنحو 9.4 ملايين برميل يوميا من مستواه السابق للحرب.

وأضاف أن أسواق المنتجات المكررة، ولا سيما الديزل والبنزين، ظلت أكثر توترا من سوق الخام، إذ بلغت هوامش التكرير في مطلع يوليوز أعلى مستوياتها خلال أربع سنوات، مؤكدا أن ذلك يعني أن انخفاض سعر الخام لا ينتقل بالضرورة، أو بالسرعة نفسها، إلى أسعار الوقود التي يدفعها المستهلك النهائي، وهي معطيات أكدها تقرير سوق النفط الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة في يوليوز 2026 .

زيادة إنتاج “أوبك+” رهينة بالقدرة على التسليم

وبخصوص تحركات تحالف “أوبك+”، أوضح قيل أن سبع دول مشاركة في التحالف قررت، خلال اجتماعها في 2 غشت، زيادة الإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميا ابتداء من شتنبر 2026، معتبرا أن الأثر الفعلي لهذا القرار يظل رهينا بقدرة الدول الأعضاء على إيصال الكميات الإضافية إلى السوق، وليس بمجرد تعديل الحصص حسابيا، خاصة في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بممرات الشحن والبنيات التحتية.

وأشار إلى أن الدول المشاركة أكدت، في الوقت ذاته، ضرورة الالتزام الكامل بالحصص وتعويض الكميات التي جرى إنتاجها فوق المستويات المتفق عليها سابقا، وفق ما تضمنه البيان الرسمي لمنظمة “أوبك” ، مبرزا أن درجة عدم اليقين في سوق النفط تتجلى من خلال التباين الواضح بين توقعات المؤسسات الدولية والمنتجة، موضحا أن الوكالة الدولية للطاقة تتوقع تراجع الطلب العالمي بنحو مليون برميل يوميا خلال 2026، قبل أن ينتعش بنحو مليوني برميل يوميا في 2027.

في المقابل، تتوقع “أوبك” نمو الطلب بنحو 780 ألف برميل يوميا خلال 2026، ثم بحوالي 1.94 مليون برميل يوميا في 2027، وفق أحدث توقعات المنظمة . وأوضح قيل أن هذا التفاوت لا يتعلق بخطأ حسابي، بل يعكس اختلاف الفرضيات بشأن مدة الحرب، وسرعة عودة الإمدادات، وآفاق النمو العالمي، ومدى استجابة المستهلكين للأسعار المرتفعة.

فاتورة الطاقة المغربية ترتفع 28.9 في المائة

وعلى مستوى الاقتصاد المغربي، قال قيل إن المملكة، باعتبارها مستوردا صافيا للطاقة، تتأثر بارتفاع أسعار النفط عبر أربعة مسارات رئيسية، تتمثل في الميزان التجاري، والتضخم المستورد، وكلفة النقل والإنتاج، ثم النفقات العمومية المرتبطة بدعم بعض المواد الطاقية وحماية القدرة الشرائية.

وأشار إلى أن البيانات المؤقتة لمكتب الصرف تكشف أن فاتورة الطاقة ومواد التشحيم بلغت 68.58 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، مقابل 53.19 مليار درهم خلال الفترة نفسها من 2025، مسجلة زيادة قدرها 28.9 في المائة.

ومثلت هذه الفاتورة نحو 15 في المائة من مجموع الواردات السلعية، بينما ارتفعت قيمة واردات الغازوال والفيول وحدهما بنسبة 44.7 في المائة، وفق المؤشرات الشهرية لمكتب الصرف .

وأضاف قيل أن أسعار المحروقات سجلت في ماي ارتفاعا سنويا قدره 27.6 في المائة، بينما يتوقع بنك المغرب أن يبلغ التضخم 1.5 في المائة خلال 2026 و2.1 في المائة خلال 2027، بالتزامن مع اتساع عجز الحساب الجاري إلى 4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال 2026، بحسب توقعات بنك المغرب .

وشدد على أن هذه التطورات لا ترجع إلى النفط وحده، لكنها توضح حجم الصدمة الطاقية وأهميتها في التوازنات الخارجية والداخلية للاقتصاد المغربي، مستحضرا في هذا السياق العبارة الاقتصادية الشائعة: “حين تعطس الولايات المتحدة، يصاب العالم بالزكام”، موضحا أن الولايات المتحدة ليست فقط أكبر منتج عالمي للنفط، بل تؤثر في الأسعار من خلال احتياطياتها الاستراتيجية، وإنتاجها الصخري، وقيمة الدولار، وأسعار الفائدة، ومستوى الطلب العالمي.

وأضاف أن تباطؤ الاقتصاد الأمريكي يمتد تأثيره إلى أوروبا والأسواق المالية والتجارة الدولية، ومن ثم إلى الشركاء الاقتصاديين الرئيسيين للمغرب، حتى عندما يكون الارتباط التجاري المباشر محدودا.

أنبوب نيجيريا-المغرب وتغيير بنية اللعبة

وفي ما يتعلق بالمشاريع الاستراتيجية المرتبطة بالأمن الطاقي، اعتبر قيل أن إنجاز أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين نيجيريا والمغرب يمكن أن يمثل أفضل سيناريو استراتيجي طويل الأجل للمملكة ولعدد كبير من الدول الإفريقية.

وأوضح أن أهمية المشروع لا تكمن في قدرته على خفض أسعار النفط في الأجل الفوري، بل في إمكانية تغيير هيكل الاعتماد الطاقي ومنح الدول المشاركة خيارات تفاوضية أوسع.

وأشار إلى أن دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” وقعت في 19 يوليوز 2026 الاتفاق الحكومي المنظم للمشروع، وأعلن عنه في اليوم الموالي، على أن تستكمل المنظومة بتوقيع المغرب وموريتانيا بصورة منفصلة.

ويخطط للأنبوب على امتداد يتراوح بين 6800 و6900 كيلومتر، بطاقة تصميمية تبلغ 30 مليار متر مكعب سنويا، مرورا بثلاث عشرة دولة ساحلية، مع وصلات موجهة نحو دول الساحل غير المطلة على البحر، وفق معطيات شركة النفط الوطنية النيجيرية و البوابة الرسمية للمملكة المغربية .

وأوضح قيل أن الدراسات الهندسية الأولية ومسوح المسار أنجزت، في حين تقدمت الدراسات البيئية والاجتماعية، وأرسيت أطر قانونية وتنظيمية وتجارية أساسية، بينما لا يزال التمويل وقرار الاستثمار النهائي والجدول الزمني للتنفيذ من القضايا غير المحسومة بصورة نهائية.

ومن منظور “الألعاب التعاونية”، يرى قيل أن المشروع يمكن أن يحول الدول المشاركة من متنافسين على واردات الطاقة إلى “ائتلاف رابح” يتقاسم منافع العبور وتوليد الكهرباء والتصنيع وإنتاج الأسمدة، فضلا عن ربط الأسواق الإفريقية بأوروبا.

غير أن استقرار هذا الائتلاف، بحسبه، يقتضي أن تكون منفعة كل دولة من الانضمام إلى المشروع أكبر من خيارها خارجه، وهو ما يتطلب توزيعا منصفا لرسوم العبور، وحصصا واضحة للأسواق المحلية، وعقود شراء طويلة الأجل، وآلية موثوقة للتحكيم، فضلا عن ضمانات مشتركة للأمن والتمويل.

وأكد أن المرحلة الحالية لا تسمح بالجزم بموعد دخول الأنبوب الخدمة أو كلفته النهائية، مشددا على ضرورة ألا يتحول الغاز إلى بديل عن الطاقة المتجددة، بل إلى طاقة انتقالية مرنة تدعم الكهرباء المنتجة من الطاقة الشمسية والريحية، وتحد من الاعتماد على الفحم والشراء الفوري المكلف للغاز الطبيعي المسال.

وخلص الدكتور المهدي قيل إلى أن المغرب لا يستطيع التحكم في سعر النفط العالمي، لكنه يستطيع تخفيض حساسية اقتصاده تجاه تقلباته، مبرزا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب الجمع بين مخزونات استراتيجية كافية، وتحوط مالي منضبط لجزء من الواردات، ودعم اجتماعي مؤقت وموجه، وتسريع النقل الكهربائي والطاقات المتجددة والتخزين، إلى جانب إنجاز مرحلي وقابل للتمويل لأنبوب نيجيريا-المغرب.

وأكد أن القوة في اقتصاد تتحدد أسعاره بمنطق “الألعاب” لا تكمن بالضرورة في توقع الحركة التالية بدقة، بل في امتلاك بدائل كافية عندما يغير الآخرون استراتيجياتهم.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا