أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن المغرب دخل مرحلة جديدة من مساره التنموي، غير أن تحويل المكتسبات المسجلة خلال السنوات الأخيرة إلى نمو أكثر إنتاجا للثروة وفرص الشغل يظل رهينا بمواجهة تحديات مرتبطة بالتشغيل وبنية النسيج الإنتاجي والفوارق بين الجهات.
وأوضح رئيس المجلس عبد القادر أعمارة، في تقديمه التقرير السنوي للمجلس برسم سنة 2025 ، المرفوع إلى الملك محمد السادس، أن الإصلاحات والأوراش التي انخرطت فيها المملكة توفر فرصة للانتقال إلى نمو أكثر شمولا واستدامة، شريطة رفع آثارها الاقتصادية والاجتماعية وضمان استفادة مختلف المواطنين والمجالات الترابية منها.
وكان التقرير قد صادقت عليه الجمعية العامة للمجلس خلال اجتماعها المنعقد في 24 يونيو 2026، قبل تقديمه إلى الملك طبقا لمقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
وحدد أعمارة أول التحديات في ضرورة رفع قدرة النمو الاقتصادي على إحداث فرص الشغل، مسجلا أن التقدم المحقق في الاستثمار والتصنيع لم ينعكس بالقدر نفسه على سوق العمل.
وأرجع التقرير محدودية الأثر التشغيلي للاستثمار إلى صعود أنشطة تعتمد بدرجة أكبر على رأس المال، مقابل استمرار ضعف الاندماج المحلي، ما يقلص الآثار غير المباشرة للاستثمارات على المقاولات الوطنية وفرص العمل.
واعتبر المجلس أن المطلوب لا يقتصر على رفع حجم الاستثمارات، بل يشمل توجيهها نحو أنشطة أكثر قدرة على خلق وظائف مستدامة ومؤهلة، وتعزيز المحتوى المحلي وربط المقاولات المغربية بالمشاريع الكبرى وسلاسل القيمة.
ويتعلق التحدي الثاني، وفق التقرير، بتجاوز تجزؤ النسيج الإنتاجي الوطني الذي يعمل بسرعات متفاوتة، إذ يضم نواة من المقاولات الكبرى والمتوسطة، بعضها مندمج في سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب أغلبية من المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة التي تواجه عراقيل مرتبطة بالتمويل والعقار وآجال الأداء والصفقات العمومية والمساطر الضريبية.
ويضاف إلى ذلك قطاع غير منظم ضعيف الإنتاجية يضم نحو 2.03 مليون وحدة إنتاج غير فلاحية، ويشغل قرابة ثلث اليد العاملة غير الفلاحية، ويساهم بنحو 13.6 في المائة من القيمة المضافة الوطنية خارج الفلاحة والإدارة.
وشدد المجلس على أن هذه البنية تحد من مكاسب الإنتاجية ومن انتقال آثار النمو بين مكونات الاقتصاد، داعيا إلى تحسين مناخ الأعمال، وتسريع إدماج الأنشطة غير المنظمة، وتقوية حضور المقاولات الصغيرة والمتوسطة داخل سلاسل القيمة.
وحدد أعمارة التحدي الثالث في تقليص الفوارق المجالية، في ظل استمرار تمركز الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي والاستثمارات داخل عدد محدود من الجهات.
وكشف التقرير أن جهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة تستحوذ مجتمعة على 58.5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 41.5 في المائة موزعة على الجهات التسع الأخرى.
واعتبر أن استمرار هذا التفاوت يستدعي اعتماد تنمية ترابية أكثر توازنا، تقوم على تثمين المؤهلات المحلية وتوسيع الولوج إلى الفرص الاقتصادية وتقوية التكامل والتضامن بين المجالات، بما يضمن توزيعا أكثر إنصافا لثمار النمو.
واستحضر أعمارة في هذا السياق التوجيهات الملكية الداعية إلى القطع مع “مغرب يسير بسرعتين”، والانتقال إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يرتكز على الخصوصيات المحلية والجهوية المتقدمة والتكامل بين المجالات.
وفي ما يتعلق بالأوراش المرتبطة بأفق 2030، اعتبر رئيس المجلس أنها تمثل فرصة استراتيجية لتسريع التنمية الاقتصادية وتحديث البنيات التحتية وتقوية جاذبية المغرب.
وقدر التقرير قيمة الاستثمارات المنجزة والمبرمجة في إطار التحضير لكأس العالم 2030 بنحو 190 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2030، وهو مبلغ يعادل 11.9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي المسجل سنة 2024.
وتشمل هذه الاستثمارات البنيات السككية والمطارات والتجهيزات الرياضية والطرق والشبكات الحضرية والمرافق السياحية والاستشفائية وشبكات الاتصالات، بما يرتقب أن يدعم قطاعات البناء والأشغال العمومية والنقل واللوجستيك والسياحة والخدمات الحضرية.
غير أن أعمارة شدد على أن القيمة الحقيقية لهذه الأوراش ستقاس بقدرتها على إحداث آثار اقتصادية واجتماعية مستدامة، وخلق فرص الشغل، وتقوية الإنتاج المحلي، وإدماج المقاولات الوطنية في الصفقات وسلاسل التوريد.
كما دعا إلى الحفاظ على استدامة المالية العمومية، والحد من مزاحمة الاستثمار العمومي للقطاع الخاص في التمويل، وتفادي استمرار ارتفاع الأسعار بعد انتهاء المرحلة المرتبطة بالاستحقاقات الكبرى.
وعلى المستوى الاجتماعي، سجل أعمارة انتقال ورش الدولة الاجتماعية من مرحلة توسيع التغطية إلى مرحلة ضمان فعلية الحقوق وتحقيق نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
وبلغت تغطية التأمين الإجباري الأساسي عن المرض نحو 88 في المائة من السكان عند نهاية سنة 2025، بما يفوق 32 مليون مستفيد، مقابل 42 في المائة قبل إطلاق الإصلاح.
وأشار التقرير إلى أن توسيع التغطية يتطلب معالجة حالات إغلاق الحقوق، وتقليص النفقات التي يتحملها المؤمنون، وضمان الاستدامة المالية للأنظمة، بالتوازي مع تحسين الخدمات الصحية وتوفير الموارد البشرية والأدوية والتجهيزات.
وفي هذا الإطار، سجل المجلس استكمال 16 مشروعا استشفائيا توفر أكثر من 2292 سريرا، ومواصلة إنجاز سبعة مراكز استشفائية جامعية، وتأهيل نحو 1400 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية.
وبلغ عدد المستفيدين من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، إلى نهاية دجنبر 2025، نحو 3.9 ملايين أسرة تضم أكثر من 12.5 مليون شخص. وتجاوزت المبالغ المرصودة للبرنامج منذ إطلاقه 51 مليار درهم، منها 25.6 مليار درهم خلال سنة 2025.
وفي الشق البيئي، أشار أعمارة إلى رفع المغرب هدف خفض انبعاثات الغازات الدفيئة إلى 53 في المائة بحلول سنة 2035، ضمن مساهمته المحددة وطنيا، إلى جانب تطوير الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر ومشاريع تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض المائية.
وأكد أن نجاح الانتقال البيئي يظل مرتبطا بتطوير قدرات تخزين الكهرباء، وتحسين تدبير الموارد المائية، وتثمين المياه العادمة والنفايات، وتسريع الانتقال نحو الاقتصاد الدائري.
وخلص رئيس المجلس إلى أن الرهان لم يعد ينحصر في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل في تحويل الاستثمار والأوراش الكبرى إلى إنتاج وفرص شغل وتنمية ترابية متوازنة، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويضمن استفادة جميع المواطنين من ثمار التنمية.
المصدر:
العمق