دخل البعد الرقمي لأزمة العبور الجماعي نحو سبتة منعطفا جديدا، بعدما كشفت معطيات عن نشاط واسع لحسابات وقنوات مرتبطة بروسيا في تضخيم روايات متطرفة حول الأحداث، بالتزامن مع تحرك المفوضية الأوروبية تجاه شركتي “ميتا” و”تيك توك”، مطالبة إياهما بتشديد مراقبة المحتوى وتعزيز التعاون مع مدققي المعلومات خلال الأزمات.
وقالت هينا فيركونن، نائبة الرئيس التنفيذي للمفوضية الأوروبية المكلفة بالسيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية، عقب اجتماع عقدته الجمعة مع ممثلين عن “ميتا” و”تيك توك”، إن المنصات مطالبة بالتحرك بشكل حاسم لحماية سلامة الفضاء الرقمي، خصوصا أثناء الأزمات، داعية إلى رفع مستوى المراقبة وتعزيز التعاون مع جهات التحقق من المعلومات.
ويأتي التحرك الأوروبي بعدما أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي أحد العناصر المركزية في التحقيقات والنقاشات المحيطة بأزمة سبتة، إذ أكد عدد من الذين عبروا نحو المدينة أنهم تأثروا برسائل ومقاطع فيديو زعمت أن الحدود مفتوحة وأن من يصل إلى سبتة سينقل لاحقا إلى البر الإسباني، وهي معلومات تبين عدم صحتها.
وبالتوازي مع تحرك بروكسيل، كشف تحقيق نشرته صحيفة “الغارديان” ، استنادا إلى تحليل أجرته مجموعة “411” المتخصصة في مكافحة التضليل، أن شبكة من الحسابات المرتبطة بروسيا لعبت دورا بارزا في تضخيم الخطاب المتطرف المرتبط بأزمة سبتة بعد انطلاقها.
وخلص التحليل إلى أن روايات قدمت الأحداث باعتبارها “هجوما منظما” على أوروبا، وربطتها بخطابات معادية للمهاجرين والمسلمين ونظريات مؤامرة، جرى إعادة إنتاجها بسرعة بلغات متعددة عبر شبكات من الحسابات المترابطة.
وبحسب التحقيق، وصلت بعض هذه الروايات إلى أكثر من 720 ألف مشاهدة خلال ست ساعات فقط يوم فاتح غشت، بعدما أعيد نشرها بسبع لغات، وذلك ضمن تحليل شمل نحو 4.5 ملايين منشور على شبكات التواصل الاجتماعي.
وتتبعت مجموعة “411” أحد مسارات التضخيم وصولا إلى قناة Rybar على تطبيق “تيليغرام”، وهي قناة سبق ربطها بمصادر استخباراتية وعسكرية روسية، قبل أن تعيد شبكة من الحسابات نشر محتواها، بينها حسابات مرتبطة بما يعرف بـشبكة “Pravda” التي تنشر روايات مؤيدة للكرملين في عدد من الدول.
ويرى الباحثون الذين حللوا النشاط أن سرعة انتشار المحتوى والتنسيق بين الحسابات كانت أكبر بكثير مما سجل خلال أزمة سبتة السابقة سنة 2021، مشيرين إلى وجود بنية رقمية قادرة على التقاط الأحداث الحساسة في أوروبا وتضخيم روايات محددة حولها خلال ساعات.
ورغم خطورة هذه المعطيات، فإنها لا تثبت أن روسيا أو جهات مرتبطة بها هي التي أطلقت الدعوات الأصلية للهجرة نحو سبتة أو نظمت عملية العبور الجماعي، بل إن تحليل “411” نفسه وجد أن النقاشات المتعلقة بكيفية الوصول إلى سبتة بين المرشحين للهجرة بدت في جزء كبير منها عفوية ومنتشرة بين حسابات فردية صغيرة ومجهولة، وليس صادرة عن قناة تجنيد مركزية واحدة.
وهذا التمييز مهم، إذ تشير الأدلة المتوفرة حاليا إلى مسارين رقميين مختلفين؛ الأول يتعلق برسائل وشائعات شجعت شبانا على التوجه نحو سبتة، والثاني يتعلق بحسابات مرتبطة بروسيا استغلت الأزمة بعد اندلاعها لتضخيم خطاب سياسي وأيديولوجي حول الهجرة والأمن داخل أوروبا.
وكان مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر قد أكد بدوره أن أزمة سبتة غذتها شبكات التهريب والمعلومات المضللة، لكنه شدد على أنه ما يزال “من السابق لأوانه” تحديد الجهة التي تقف خلف عمليات التلاعب بالمعلومات، وما إذا كانت مرتبطة بمهربي البشر أو بقوة أجنبية مثل روسيا.
وفي هذا السياق، عقدت المفوضية الأوروبية اجتماعا مع ممثلين عن “ميتا”، المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب، و”تيك توك”، لمناقشة كيفية تعامل المنصات مع المعلومات المضللة أثناء الأزمات. وقالت فيركونن إن على الشركات زيادة عمليات المراقبة وتعزيز التعاون مع مؤسسات التحقق المستقلة، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي سيواصل متابعة الملف خلال الأيام المقبلة.
وبحسب “كادينا سير” ، تتابع المفوضية الأوروبية أيضا المحتوى المرتبط بالدعوات المتداولة بشأن 15 غشت باعتباره موعدا محتملا لمحاولة عبور جماعي جديدة نحو سبتة، مؤكدة استمرار اتصالاتها بالسلطات المغربية والإسبانية لمتابعة الوضع.
وأشارت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، أريانا بوديستا، إلى أن كثيرا من المعلومات والتقارير المتداولة حول النشاط الرقمي المرتبط بالأزمة لا يزال غير موثق بشكل كامل، وهو ما يجعل السلطات الأوروبية حذرة في تحديد المسؤوليات قبل استكمال عمليات التحقق.
وتشير هذه التطورات إلى أن أزمة سبتة لم تعد تطرح فقط أسئلة حول مراقبة الحدود والهجرة غير النظامية، بل تحولت أيضا إلى اختبار لقدرة المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي على مواجهة التضليل والتلاعب بالمعلومات خلال الأزمات.
فخلال أيام قليلة، ساهمت معلومات مضللة بشأن فتح الحدود وإمكانية الانتقال إلى البر الإسباني في دفع أشخاص إلى محاولة العبور، بينما استغلت شبكات أخرى الأحداث لترويج روايات سياسية متطرفة داخل أوروبا.
وتكتسب القضية أهمية إضافية قبل 15 غشت، في ظل استمرار تداول دعوات إلى محاولة عبور جديدة، ما يدفع بروكسيل إلى مطالبة المنصات الرقمية بالتدخل بشكل أكثر سرعة، خشية أن تتحول الشائعات والمنشورات المتداولة عبر الهواتف مرة أخرى إلى تحركات فعلية على الأرض.
المصدر:
العمق