رصد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي مجموعة من أوجه القصور التي تعاني منها منظومة التخزين الوطنية، معتبرا أنها تحد من نجاعتها وقدرتها على الاستجابة الفعالة للاضطرابات التي قد تؤثر على تموين البلاد.
واختار المجلس، ضمن نقاط اليقظة التي تضمنها تقريره السنوي برسم 2025، التركيز بشكل خاص على المخزونات الاحتياطية للمحروقات والقمح اللين، بالنظر إلى الأهمية التي يكتسيها هذان القطاعان بالنسبة إلى نشاط الاقتصاد الوطني والأمن الطاقي والغذائي وظروف عيش السكان.
وأوضح المجلس أن المصطلحات المرتبطة بمختلف أصناف المخزونات لا تحظى بتوحيد على المستوى الدولي، إذ تستخدم عدة بلدان مفاهيم من قبيل المخزون الاحتياطي، ومخزون الطوارئ، والمخزون الاستراتيجي، والمخزون الإلزامي، لوصف الاحتياطات المخصصة لمواجهة الاضطرابات الكبرى التي قد تمس التموين.
المحروقات.. اعتماد كبير على المنتجات البترولية
أكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن المنتجات البترولية لا تزال تحتل مكانة محورية ضمن المنظومة الطاقية الوطنية، إذ تمثل 51 في المائة من المزيج الطاقي سنة 2025.
وبحسب معطيات التقرير، بلغ استهلاك المنتجات البترولية نحو 12.8 مليون طن، يهيمن عليه الغازوال بنسبة 73 في المائة. ويتوقع المجلس أن يواصل هذا الاستهلاك منحاه التصاعدي خلال السنوات المقبلة، مع تسجيل زيادة متوقعة بنسبة 16 في المائة.
ويرى المجلس أن هذا الوضع يفرض تعزيز قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من المحروقات، خصوصاً في ظل التقلبات التي تعرفها الأسواق الدولية والمخاطر التي يمكن أن تطال سلاسل الإمداد العالمية.
نقص في المعطيات حول المخزونات الاحتياطية
وسجل المجلس وجود نقص في المعطيات المتاحة بشأن المخزونات الاحتياطية للمحروقات، موضحاً أن هذه المعلومات لا يتم توفيرها بشكل ممنهج ومنتظم، وهو ما يحد من إمكانية تقييم مستوى الجاهزية الفعلية للمنظومة الوطنية وقدرتها على مواجهة اضطرابات محتملة في التموين.
كما أشار إلى أن نظام التخزين يرتكز أساساً على الفاعلين الخواص، الأمر الذي يطرح، بحسب التقرير، الحاجة إلى التفكير في آليات أكثر توازناً لتدبير المخزونات الاستراتيجية والاحتياطية، بما يضمن وضوح المسؤوليات ويعزز قدرة الدولة على التدخل في حالات الأزمات.
وسجل المجلس، في السياق ذاته، أن الإطار القانوني المنظم للمخزونات الاحتياطية يحتاج إلى مزيد من التطوير، رغم صدور قرار وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة رقم 1474.08 المعدل للقرار رقم 393.76.
قصور في التتبع والمراقبة وإكراهات لوجستيكية
وأكد التقرير أن منظومة تتبع ومراقبة المخزونات الاحتياطية للمحروقات تعاني بدورها من عدد من أوجه القصور التي تحد من فعاليتها.
وترتبط هذه الإكراهات، وفق المجلس، بعدة عوامل، من بينها محدودية قدرات التخزين، والتحديات المرتبطة باللوجستيك المينائي، إضافة إلى صعوبات تعبئة العقار الضروري لإنجاز وتوسيع منشآت التخزين.
ويعتبر المجلس أن هذه التحديات تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به البنيات المينائية في ضمان انتظام عمليات استيراد المحروقات وتفريغها وتخزينها وتوزيعها على مختلف مناطق البلاد.
ودعا المجلس إلى تحيين الإطار القانوني الجاري به العمل، بما يجعله إطاراً مندمجاً ومتجانساً وأكثر ملاءمة للسياق الراهن.
وشدد، في هذا الصدد، على ضرورة توضيح الأهداف المرتبطة بإنشاء المخزون الاستراتيجي أو الاحتياطي، مع تحديد شروط تعبئته بشكل دقيق، بما يضمن سرعة وفعالية التدخل عند حدوث اضطرابات في التموين.
كما دعا إلى إطلاق دينامية للتفكير في الآلية المؤسساتية الأنسب لتكوين وتدبير مخزونات المنتجات البترولية، بهدف إرساء منظومة أكثر توازناً وقدرة على الاستجابة للتحولات التي يعرفها السياق الدولي.
ويرى المجلس أن إعادة النظر في آليات التدبير ينبغي أن تواكبها آليات أكثر فعالية لتتبع المخزونات، وضمان تجددها ومراقبتها، بما يحافظ على جودتها ويضمن توفرها عند الحاجة.
تعزيز البنيات المينائية
ولم تقتصر توصيات المجلس على الجانب القانوني والمؤسساتي، بل شملت أيضاً البنيات التحتية واللوجستيك.
ودعا إلى تعزيز وتحسين اللوجستيك المينائي المرتبط بالمحروقات، وتقوية وتحديث القدرات المينائية المتوفرة، خصوصاً منشآت التخزين والتفريغ.
كما أوصى بتسريع تطوير بنيات مينائية جديدة قادرة على استقبال السفن ذات الحمولة الكبيرة، بما من شأنه رفع قدرة البلاد على استقبال واردات المحروقات وتحسين مرونة سلاسل الإمداد وتقليص المخاطر المرتبطة بالقدرات الحالية.
في ما يتعلق بالحبوب، اعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن هذا القطاع، وخاصة القمح اللين، يكتسي أهمية استراتيجية بالنظر إلى مكانته المركزية في العادات الغذائية للمغاربة ودوره الأساسي في تحقيق الأمن الغذائي.
وأفاد التقرير بأن متوسط استهلاك القمح اللين في المغرب يبلغ حوالي 180 كيلوغراماً للفرد سنوياً، وهو مستوى يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.
كما أشار إلى أن الحبوب والنباتات الجذرية تمثل حوالي 59 في المائة من إجمالي السعرات الغذائية بالنسبة إلى السكان المغاربة، ما يعكس الوزن الكبير لهذه المنتجات في النظام الغذائي الوطني.
وبناء على هذه المعطيات، يرى المجلس أن ضمان استمرارية تموين السوق بالحبوب، ولا سيما القمح اللين، يشكل أحد المكونات الأساسية للأمن الغذائي، ويستدعي وجود مخزونات احتياطية قادرة على مواجهة اضطرابات الإنتاج أو الاستيراد أو تقلبات الأسواق الدولية.
مخزون القمح يغطي بين ثلاثة وأربعة أشهر
وأوضح المجلس أن مستويات المخزون الاحتياطي للقمح تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر من الاستهلاك، مع تسجيل تفاوتات في مستويات التخزين.
غير أن التقرير سجل في المقابل أن الإطار القانوني المنظم لقطاع الحبوب لا يزال غير مكتمل، خصوصا في ما يتعلق بالمقتضيات المرتبطة بالمخزونات الاحتياطية.
وأشار المجلس كذلك إلى أن سياسة التخزين تظل متأثرة بتقلبات الأسواق الدولية، وهو ما يفرض تطوير آليات أكثر فعالية تمكن من الاستباق والتعامل مع التحولات المفاجئة في الأسعار أو الإمدادات.
وفي هذا السياق، دعا المجلس إلى استكمال الإطار التنظيمي المتعلق بقطاع الحبوب، ولا سيما من خلال استكمال المقتضيات الخاصة بالمخزونات الاحتياطية.
كما أوصى بتعزيز قدرات المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني في مجال تتبع المخزونات، بما يسمح بتحسين الرؤية حول مستوياتها وتطورها وضمان ملاءمتها مع حاجيات السوق الوطنية.
وشملت التوصيات أيضاً تعزيز آليات الحد من هدر المواد الغذائية، خصوصاً المنتجات المعتمدة على الحبوب، في ظل أهمية هذه المواد داخل الاستهلاك الوطني.
ودعا المجلس كذلك إلى تعزيز مطابقة المخزونات للمواصفات المعتمدة، وتحسين جودة منظومة التخزين، بما يضمن الحفاظ على المنتجات المخزنة ويحد من الخسائر الناتجة عن سوء التخزين أو عدم احترام المعايير المطلوبة.
توصيات لمواجهة اضطرابات التموين
ويخلص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن منظومة التخزين الوطنية تحتاج إلى تطوير متعدد الأبعاد، يشمل الجوانب القانونية والمؤسساتية واللوجستيكية والتقنية.
ويتمثل أحد أبرز التحديات في الانتقال من مقاربة تقوم أساسا على توفير المخزونات إلى منظومة متكاملة تضمن التتبع المستمر لمستوياتها، وجودتها، وسرعة تجديدها، فضلاً عن القدرة على تعبئتها في حالات الطوارئ.
وفي قطاع المحروقات، تبرز الحاجة إلى تعزيز قدرات التخزين، وتحديث البنيات المينائية، وتحسين آليات المراقبة والتتبع، إلى جانب توضيح الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للمخزون الاستراتيجي والاحتياطي.
أما في قطاع الحبوب، فيرى المجلس أن استكمال الإطار التنظيمي وتعزيز قدرات تتبع المخزونات وتحسين جودة التخزين والحد من هدر المواد الغذائية، تشكل عناصر أساسية لضمان الأمن الغذائي.
ويأتي ذلك في سياق دولي يتسم بتزايد المخاطر التي تهدد سلاسل الإمداد، سواء بفعل التقلبات الحادة في الأسواق العالمية أو الاضطرابات التي قد تؤثر على حركة التجارة الدولية، ما يجعل تطوير منظومة وطنية فعالة للتخزين والاحتياط عاملا أساسيا في تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود وضمان استمرارية تموين السوق بالمواد الحيوية.
المصدر:
العمق