تتواصل، مع حلول فصل الصيف، سلسلة الحرائق التي تلتهم الأسواق غير المهيكلة بمختلف أحياء مدينة الدار البيضاء، في مشهد بات يتكرر بشكل لافت، مخلفا خسائر مادية جسيمة، ومثيرا مخاوف متزايدة بشأن مدى احترام هذه الفضاءات لأبسط شروط الوقاية والسلامة.
وتشهد المدينة، كل سنة، اندلاع حرائق بعدد من الأسواق العشوائية أو غير المهيكلة، حيث تساهم درجات الحرارة المرتفعة، إلى جانب هشاشة البنية التحتية، وانتشار التوصيلات الكهربائية العشوائية، وتكديس المواد القابلة للاشتعال، في رفع احتمالات وقوع كوارث قد تمتد آثارها إلى الأحياء السكنية المجاورة.
ويرى متابعون أن تكرار هذه الحرائق يكشف وجود اختلالات بنيوية في تدبير هذا النوع من الأسواق، التي غالبا ما تفتقر إلى مخارج النجاة، وأنظمة الإنذار المبكر، ووسائل الإطفاء الأولية، فضلا عن غياب مخططات واضحة لتدبير المخاطر والتدخل السريع عند وقوع الحوادث.
وفي هذا السياق، تتعالى أصوات عدد من الفاعلين الجمعويين والمهنيين للمطالبة بفتح تحقيقات تقنية وإدارية بعد كل حادث، وعدم الاكتفاء بإرجاع الأسباب إلى “الماس الكهربائي”، مع ضرورة تحديد المسؤوليات والتأكد من مدى احترام القوانين المنظمة للسلامة والوقاية من الحرائق.
كما يدعو مهتمون إلى إخضاع جميع الأسواق، سواء المهيكلة أو غير المهيكلة، لعمليات افتحاص دوري تشمل شبكات الكهرباء، ووسائل الإطفاء، ومخارج الإخلاء، وكذا مراقبة طبيعة الأنشطة التجارية التي تمارس داخلها، خاصة تلك التي تعتمد على تخزين مواد سريعة الاشتعال.
وأكدت مصادر مهتمة بالشأن المحلي أن معالجة الظاهرة لا تقتصر على التدخل بعد اندلاع الحرائق، بل تستوجب اعتماد رؤية استباقية تقوم على إعادة تأهيل الأسواق، وتحسين بنيتها التحتية، وإلزام مستغليها باحترام معايير السلامة المعمول بها، مع تكثيف حملات التحسيس والتوعية لفائدة التجار.
ويحذر مختصون من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تكرار مآسٍ أكبر، خصوصا خلال أشهر الصيف التي تعرف ارتفاعا في درجات الحرارة، معتبرين أن حماية الأرواح والممتلكات تستوجب الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الكارثة إلى سياسة وقائية قائمة على المراقبة الصارمة، وتفعيل آليات المحاسبة، وضمان احترام معايير السلامة داخل مختلف الفضاءات التجارية.
وفي نفس السياق ، أوضح معاذ شهير، الفاعل السياسي والجمعوي بمدينة الدار البيضاء، أن تكرار الحرائق التي تشهدها الأسواق غير المهيكلة، خاصة خلال فصل الصيف، لم يعد مجرد حوادث معزولة، بل أصبح مؤشرا يدعو إلى إعادة تقييم واقع هذه الفضاءات التجارية ومدى استجابتها لمتطلبات السلامة والوقاية.
وأكد شهير، في تصريح لجريدة العمق المغربي، أن حماية أرواح التجار والمرتفقين تقتضي اعتماد مقاربة استباقية، تقوم على المراقبة الدورية لشبكات الكهرباء، والتأكد من توفر وسائل الإطفاء، واحترام شروط التخزين، إلى جانب إخضاع هذه الأسواق لعمليات افتحاص تقنية منتظمة ترصد مكامن الخلل قبل وقوع الكوارث.
وشدد على أن كل حريق يجب أن يعقبه تحقيق تقني وإداري شفاف لتحديد أسبابه وترتيب المسؤوليات عند الاقتضاء، مع نشر خلاصات هذه التحقيقات بما يعزز الثقة ويرسخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأضاف أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على التدخل بعد اندلاع النيران، بل تستوجب برنامجا متكاملا لإعادة تأهيل الأسواق غير المهيكلة، وتسريع إخراج مشاريع تنظيمها وتجهيزها وفق المعايير القانونية، بما يضمن سلامة العاملين والمتسوقين ويحافظ على الممتلكات العامة والخاصة.
وختم معاذ شهير تصريحه بالتأكيد على أن الوقاية تظل أقل تكلفة من مواجهة آثار الكوارث، داعيا جميع المتدخلين إلى تنسيق الجهود وتعزيز الرقابة الميدانية، خصوصا خلال فصل الصيف، للحد من تكرار هذه الحرائق وحماية النسيج الاقتصادي والاجتماعي الذي تمثله هذه الأسواق.
المصدر:
العمق