دخلت أزمة العبور الجماعي نحو مدينة سبتة المحتلة مرحلة جديدة، بعدما انتقلت من حالة الاستنفار الميداني على الحدود إلى نقاش أوروبي بشأن مستقبل التعاون مع المغرب في مجال الهجرة، بالتزامن مع استمرار الضغط الإنساني داخل المدينة، وتضارب الأرقام بشأن أعداد الموجودين فيها وحصيلة الضحايا والمفقودين.
وبعد أسبوع من موجة العبور غير المسبوقة، قال مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، الخميس 6 غشت 2026، إن الاتحاد يتعين عليه استخدام مختلف أدوات الضغط المتاحة، بما فيها سياسة التأشيرات والعلاقات التجارية، لضمان تعاون فعال مع المغرب في مراقبة الهجرة والإعادة وقبول المرحلين.
وأوضح برونر، خلال اجتماع للجنة في البرلمان الأوروبي، أن أحداث سبتة أظهرت أن الاتحاد الأوروبي يظل “في وضع هش” ما دام أمن حدوده الخارجية مرتبطا بما وصفه بـ”حسن نية دولة مجاورة”، معتبرا أن التعاون مع دول الجوار يظل ضروريا، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلا عن امتلاك أوروبا لقدراتها الخاصة في مراقبة الحدود والتعامل مع الأزمات.
وفي الاجتماع نفسه، أكد رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، أن المدينة لم تستعد وضعها الطبيعي، مقدرا عدد الأشخاص الذين ما زالوا داخلها بما يتراوح بين 3 آلاف و5 آلاف شخص، بعد عودة الغالبية الساحقة ممن شاركوا في موجة العبور إلى المغرب، مطالبا بإعادة المهاجرين المغاربة الذين لا تتوافر فيهم شروط الحماية الدولية، مع تعزيز الحدود بوسائل أوروبية إضافية، وإشراك وكالات “فرونتكس” و”يوروبول” ووكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في تدبير الوضع.
غير أن تقدير فيفاس لا يتطابق مع الرقم الذي تقدمه مندوبية الحكومة الإسبانية في سبتة، التي تتحدث عن نحو 2500 شخص ما زالوا في المدينة. كما أعلنت جمعية سكان حي “الأمير ألفونسو” إعداد إحصاء غير رسمي يتحدث عن وجود 4860 مهاجرا في الحي وحده، لكن هذا الرقم لم تؤكده أي جهة رسمية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره حصيلة نهائية.
وأعلنت وزارة الهجرة الإسبانية أنها توزع، بتعاون مع الصليب الأحمر، أكثر من 2500 حزمة من المساعدات الإنسانية يوميا، بالتزامن مع تركيب مرافق مؤقتة للاستحمام والصرف الصحي في مناطق تجمع المهاجرين، وتوسيع القدرة الاستيعابية لمركز الإقامة المؤقتة. كما قررت السلطات الإبقاء على نحو 100 عنصر إضافي من الحرس المدني داخل سبتة، بعد وصولهم خلال ذروة الأزمة، من أجل تعزيز المراقبة في الأحياء والمناطق الحدودية.
وتتركز الضغوط حاليا على ملف القاصرين غير المصحوبين، إذ قال رئيس حكومة سبتة إن المدينة تتولى رعاية نحو 1100 قاصر، في وقت كانت فيه طاقتها الاستيعابية المخصصة لحالات الطوارئ لا تتجاوز نحو 90 مكانا، في حين لم تتمكن الشرطة، حتى الآن، إلا من تحديد هوية 528 طفلا ومراهقا، بينما ما زال عدد كبير ممن يصرحون بأنهم قاصرون ينتظرون استكمال إجراءات التحقق من السن والهوية.
وبحسب المعطيات الإسبانية، أجريت حتى الخميس 22 صورة شعاعية للأسنان لتحديد أعمار أشخاص تعذر عليهم إثبات سنهم بواسطة الوثائق، وهو ما يفسر بطء فرز القاصرين عن البالغين، واستمرار وجود مئات الأشخاص في الشوارع أو داخل مرافق مؤقتة، فيما أعلنت الحكومة الإسبانية تخصيص 25 مليون يورو لمواجهة وضع القاصرين في سبتة، مع الشروع في نقل مجموعات منهم إلى البر الإسباني وتوزيعهم على الأقاليم المستقلة، استنادا إلى الآلية الإلزامية التي يجري تفعيلها عندما تتجاوز أعداد القاصرين ثلاثة أضعاف قدرة منطقة الاستقبال.
وأثار هذا الإجراء خلافات سياسية داخل إسبانيا، خصوصا بعد رفض أحزاب وأقاليم استقبال أعداد إضافية، قبل أن يؤكد الحزب الشعبي أن الأقاليم التي يديرها ستلتزم بالقانون، رغم التحفظات التي عبرت عنها بعض الحكومات المحلية المتحالفة مع حزب “فوكس”. ومن المنتظر أن تزور وزيرة الشباب والطفولة الإسبانية، سيرا ريغو، سبتة الجمعة 7 غشت، للاطلاع على أوضاع القاصرين وتسريع ترتيبات نقلهم وإيوائهم.
وفي أحدث إجراء مرتبط بالجانب الإنساني، افتتحت السلطات الإسبانية مكتبا خاصا بالمفقودين، يتولى تلقي بلاغات الأسر وجمع المعطيات اللازمة للتعرف على الجثامين أو تحديد أماكن الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم عقب موجة العبور. وأفادت قيادة الحرس المدني بأن المكتب توصل، حتى الخميس، بـ32 بلاغا تتضمن معطيات كافية لفتح عمليات بحث وتحقق، في وقت تتواصل فيه عملية التعرف على عدد من الجثامين التي جرى انتشالها من البحر.
وسجل الجهاز الصحي في سبتة، الأربعاء، 329 تدخلا طبيا، منها 186 في مراكز الرعاية الأولية و143 في الخدمات المتخصصة، من دون تسجيل حوادث خطيرة جديدة، وفق المعطيات التي نشرتها وزارة الصحة الإسبانية، فيما لا تزال حصيلة الوفيات موضع تضارب بين الجهات الرسمية والمنظمات المدنية، حيث رفع رئيس حكومة سبتة، خلال مداخلته أمام البرلمان الأوروبي، التقدير الإجمالي إلى نحو 100 وفاة، من دون تقديم تفصيل يوضح ما إذا كان الرقم يشمل الجثامين المنتشلة في الجانبين.
وكانت مندوبية الحكومة الإسبانية قد أعلنت في وقت سابق انتشال 75 جثمانا، بينما أشارت معطيات معهد الطب الشرعي في سبتة إلى 78 أو 79 جثمانا. وفي المقابل، أعلنت وزارة الداخلية المغربية رسميا وفاة 11 شخصا، بينهم 10 قضوا غرقا وشخص توفي إثر سقوطه من منطقة صخرية.
أما منظمة “كاميناندو فرونتيراس” المتخصصة في رصد ضحايا مسارات الهجرة، فتقدر الحصيلة بـ141 وفاة، موزعة بين 78 جثمانا في سبتة و63 جثمانا في الجانب المغربي. وقالت المنظمة إن تقديرها استند إلى العمل الميداني والتواصل مع أسر الضحايا، لكن السلطات المغربية لم تؤكد رسميا رقم 63، ولذلك لا يمكن تقديم حصيلة المنظمة باعتبارها رقما حكوميا.
وكانت وزارة الداخلية المغربية قد أعلنت أن العدد الفعلي للأشخاص الذين توجهوا نحو سبتة بلغ نحو 40 ألفا، مقابل 1135 شخصا حاولوا الوصول إلى مليلية، مؤكدة إعادة جميع من تمكنوا من دخول مليلية. وأرجعت الوزارة الأحداث إلى تداخل عدة عوامل، في مقدمتها ترويج معلومات مضللة في الفضاء الرقمي، وتحرك شبكات الاتجار بالبشر، والتأويل الخاطئ لقرار قضائي إسباني قيد تطبيق الإعادة الفورية بالنسبة إلى المهاجرين الذين يصلون سباحة.
في المقابل، تقدر السلطات الإسبانية عدد من دخلوا سبتة بنحو 72 ألف شخص، وتقول إن قرابة 70 ألفا عادوا إلى المغرب خلال الأيام التالية. ويظل الفارق بين الرقمين راجعا إلى اختلاف طريقة الإحصاء، إذ يحتسب الجانب المغربي المشاركين في محاولات العبور، بينما تعتمد إسبانيا عمليات الدخول المسجلة، التي قد تشمل محاولات أو تحركات متكررة.
وأكد مسؤول مغربي رفيع، في تصريحات سابقة، أن الرباط لم تخفف مراقبتها للحدود، وأنها حذرت مدريد من التداعيات المحتملة للقرار القضائي الإسباني. وأوضح أن المغرب يخصص نحو 24 ألف عنصر لمراقبة السواحل الشمالية، وأحبط أكثر من 150 ألف محاولة للهجرة غير النظامية خلال عامين.
تراقب المفوضية الأوروبية والسلطات الإسبانية منشورات متداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تتضمن دعوات إلى محاولة عبور جديدة نحو سبتة يوم 15 غشت. وأكد المتحدث باسم المفوضية الأوروبية للشؤون الداخلية، غيوم ميرسييه، أن بروكسل تتابع النشاط الرقمي المرتبط بهذه الدعوات، وتحافظ على الاتصال مع السلطات المغربية والإسبانية، غير أن المفوضية شددت على أن عددا من المنشورات المتداولة لم يجر التحقق من صحتها.
وتبحث المفوضية، في الوقت نفسه، طلبا إسبانيا للحصول على دعم مالي أوروبي إضافي لتغطية تكاليف الاستقبال والرعاية الصحية وحماية الحدود، من دون تحديد قيمة المبلغ في انتظار استكمال تقييم الاحتياجات. كما دعا مفوض الهجرة البرلمان الأوروبي إلى تسريع المصادقة على مشروع التوجيه المتعلق بمكافحة تهريب المهاجرين، الذي ما زال متعثرا منذ نحو ثلاثة أعوام.
المصدر:
العمق