كشفت مذكرة ترافعية حول التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة برسم سنة 2025 أن متوسط المدة اللازمة لمعالجة تظلمات المواطنين بلغ 296 يوما، فيما وصل متوسط تنفيذ توصيات المؤسسة إلى 815 يوما، وسط استمرار امتناع بعض الإدارات عن تنفيذ أحكام قضائية نهائية، وتزايد الملفات المحالة إلى الوسيط بسبب قصور مرافق عمومية في استقبال المرتفقين وتوجيههم.
وجاءت هذه المعطيات ضمن مذكرة تفاعلية وترافعية أعدتها جمعية مغرب المستقبل، وقدمت من خلالها قراءة تشخيصية ونقدية للتقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة، إلى جانب تقرير تركيبي تضمن أبرز المؤشرات والاختلالات التي رصدتها، فضلا عن حزمة من المقترحات الرامية إلى تعزيز أداء المؤسسة ومواكبة أوراش إصلاح الإدارة والدولة الاجتماعية والجهوية المتقدمة.
ووجهت الجمعية المذكرة، بتاريخ 3 غشت الجاري، إلى وسيط المملكة، قبل أن تحيل نسخا منها إلى رئيس الحكومة، ورئيسي مجلسي النواب والمستشارين، ووزير الداخلية، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان، إضافة إلى والي جهة بني ملال خنيفرة، ورئيس مجلس الجهة، وعامل إقليم خريبكة.
وقالت الجمعية إن مبادرتها تندرج في إطار الأدوار الدستورية المنوطة بالمجتمع المدني في تتبع السياسات العمومية وتقييمها والمساهمة في إعدادها، معتبرة أن تقرير مؤسسة الوسيط يشكل أرضية لرصد طبيعة العلاقة بين الإدارة والمرتفق، وقياس مدى تقدم إصلاح المرفق العمومي وتنزيل مبدأ “الإدارة في خدمة المواطن”.
وسجلت مؤسسة وسيط المملكة، وفق الأرقام التي استندت إليها المذكرة، ما مجموعه 9273 تظلما جديدا خلال سنة 2025، بارتفاع بلغت نسبته 25 في المائة، فيما عالجت المؤسسة 9006 ملفات، مسجلة نموا بنسبة 13.31 في المائة مقارنة بسنة 2024، معتبرة أن تزايد عدد التظلمات يعكس من جهة ارتفاع ثقة المواطنين في المؤسسة ولجوءهم إليها طلبا للإنصاف، لكنه يفرض من جهة ثانية رفع قدراتها التنظيمية والبشرية والتقنية، حتى تتمكن من مواكبة الضغط المتزايد وتحسين آجال المعالجة وجودتها.
وأبرزت المذكرة تسجيل 1653 تسوية ودية خلال السنة الماضية، معتبرة أن هذا الرقم يؤكد أهمية الوساطة التوافقية بوصفها آلية بديلة لتسوية المنازعات الإدارية، وتخفيف الضغط عن القضاء، وتقليص كلفة النزاعات على الدولة والمواطنين والمقاولات. كما رصد التقرير السنوي 623 ملفا مرتبطا بأوراش الدولة الاجتماعية، وهو ما اعتبرته الجمعية مؤشرا استباقيا يمكن الاستفادة منه في تقييم الأثر الميداني للبرامج الاجتماعية الكبرى، ورصد اختلالات الولوج إلى الخدمات المرتبطة بالحماية الاجتماعية والسكن والصحة وغيرها.
ودعت في هذا الصدد إلى الانتقال من التعامل مع هذه الملفات بوصفها تظلمات فردية إلى تحليلها باعتبارها مؤشرات مبكرة تساعد على تصويب السياسات العمومية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
وفي مقابل ارتفاع مؤشرات استقبال الملفات ومعالجتها، سجلت الجمعية أن متوسط المدة اللازمة للبت في التظلمات بلغ 296 يوما، أي ما يقارب عشرة أشهر، معتبرة أن هذا الأجل يتجاوز المدة الضمنيّة المحددة في المادة 16 من القانون رقم 14.16 المتعلق بمؤسسة وسيط المملكة، والمقدرة بستة أشهر، محذرة من أن طول مدة المعالجة قد يؤدي إلى ضياع آجال الطعن القضائي بالنسبة لبعض المرتفقين، ويؤثر في فعالية اللجوء إلى المؤسسة.
واقترحت الجمعية تحديد أجل أقصى للبت في التظلمات في ستة أشهر، مع إلزام المرافق المعنية بتقديم ردودها داخل آجال مضبوطة، وإخبار المرتفقين بمآل ملفاتهم ومراحل معالجتها.
وسجلت المذكرة أن متوسط المدة اللازمة لتنفيذ توصيات وسيط المملكة بلغ 815 يوما، بزيادة قدرها 143 يوما مقارنة بسنة 2024، معتبرة أن هذا التأخر يضعف الأثر العملي لقرارات المؤسسة، حتى وإن كانت التوصيات الصادرة عنها مؤسسة على حجج قانونية ودستورية، حيث رأت الجمعية أن التأخر في التنفيذ يستدعي تفعيل آليات التنبيه والتشهير المؤسساتي في مواجهة الإدارات الممتنعة أو المتباطئة، مع رفع تقارير خاصة إلى رئيس الحكومة والبرلمان حول القطاعات التي لا تتفاعل مع توصيات الوسيط.
كما اقترحت ربط تنفيذ التوصيات بتقييم أداء المسؤولين الإداريين، وتفعيل المتابعات التأديبية في حق المسؤولين المباشرين عن العرقلة، بما يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول من الدستور.
ومن أبرز المؤشرات التي توقفت عندها المذكرة رصد 337 حالة امتناع عن تنفيذ أحكام قضائية نهائية من طرف إدارات عمومية، مبرزة أن استمرار هذه الظاهرة يمس بصورة مباشرة مبدأ دولة الحق والقانون والحق في التقاضي، المنصوص عليه في الفصل 118 من الدستور، الذي ينص أيضا على إلزامية الأحكام القضائية النهائية للجميع.
ودعت إلى عدم الاكتفاء برصد حالات الامتناع، واقترحت إعداد توصيات تشريعية تجرم الامتناع العمدي عن تنفيذ الأحكام، وإقرار مسؤولية تأديبية في حق الموظفين والمسؤولين المتسببين في العرقلة، إلى جانب بحث إمكانية الحجز على الأموال العمومية باعتبارها آلية استثنائية للتنفيذ.
ورصدت المذكرة تسجيل 3157 ملف توجيه خلال سنة 2025، مقابل 2614 ملفا سنة 2024، بزيادة بلغت 20.77 في المائة، رغم انخفاض حصة هذه الملفات من مجموع القضايا من 32.9 إلى 31.7 في المائة، معتبرة أن هذا الارتفاع يكشف وجود قصور في اضطلاع بعض المرافق والإدارات بمهام الاستقبال والإرشاد القبلي، المنصوص عليها في ميثاق المرافق العمومية، مما يحول مؤسسة الوسيط إلى مكتب للاستقبال والتوجيه ويحمّلها أعباء لا تدخل في صلب مهامها الدستورية المتعلقة بالوساطة والإنصاف.
وطالبت بإدراج مؤشرات الاستقبال والتوجيه ضمن معايير تقييم أداء المسؤولين الإداريين، وإطلاق حملات تحسيسية لفائدة المرتفقين، وتفعيل الشباك الوحيد والبوابات الرقمية، مع نشر لائحة القطاعات الوزارية الأكثر تسجيلا لملفات التوجيه.
وسجلت المذكرة غياب معطيات إحصائية أو تحليلية مفصلة عن التظلمات المقدمة من جمعيات المجتمع المدني، معتبرة أن ذلك لا ينسجم مع موقع المجتمع المدني كشريك دستوري في إعداد السياسات العمومية وتقييمها، منتقدة غياب مؤشرات مرتبطة بتظلمات المقاولات الصغرى والمتوسطة والمستثمرين، رغم أهمية الوساطة الإدارية في تحسين مناخ الأعمال وتبسيط المساطر والحد من النزاعات المرتبطة بالرخص والضرائب والصفقات العمومية.
واقترحت إفراد محور مستقل داخل التقرير السنوي لتظلمات المقاولات والمستثمرين، يتضمن توزيعها قطاعيا وجهويا، ومتوسط آجال معالجتها، ونسبة التسويات الودية الناجحة، إلى جانب توصيات موجهة لتحسين مناخ الاستثمار، مسجلة أيضا غياب تحليل إحصائي تقاطعي وفق الجنس والمجال الترابي ووضعية الإعاقة والسن، معتبرة أن عدم توفر هذه المعطيات يحد من القدرة على تقييم مدى إنصاف السياسات العمومية للنساء وسكان العالم القروي وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة.
قدمت جمعية مغرب المستقبل خطة تقوم على خمسة مداخل أساسية، يتصدرها تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة داخل مؤسسة وسيط المملكة، من خلال استكمال إحداث المندوبيات الجهوية وتفويضها صلاحيات البت والوساطة المباشرة في الملفات ذات الطابع المحلي والجهوي، داعية إلى تمكين هذه المندوبيات من استقلالية إدارية ومالية نسبية وربطها بالمقر المركزي من خلال منظومة رقمية موحدة، بما يسهم في تقريب خدمات الوساطة من المواطنين وتقليص مدة معالجة الملفات.
ويهم المدخل الثاني تعزيز الموارد البشرية، إذ اقترحت الجمعية رفع عدد الأطر الإدارية والقانونية والتقنية بما لا يقل عن 30 في المائة خلال السنة المالية 2027، وإحداث وحدات للوساطة الرقمية، واعتماد أدوات حديثة لتحليل الملفات ورصد الاختلالات المتكررة، مع تخصيص ميزانية للتكوين المستمر.
أما المدخل الثالث، فيتعلق بإحداث هيئات استشارية وطنية وجهوية ومحلية تضم ممثلين عن المجتمع المدني والخبراء والأكاديميين، تتولى تقديم الرأي في القضايا ذات الطابع الجماعي، ومواكبة المندوبيات الجهوية، والمساهمة في صياغة التقرير السنوي وإغناء النقاش العمومي حول إصلاح الإدارة.
ودعت الجمعية، ضمن المدخل الرابع، إلى إصدار توصيات أكثر جرأة وفعالية، وتفعيل آليات التنبيه والتشهير في مواجهة الإدارات الممتنعة، وربط تنفيذ توصيات وسيط المملكة بتقييم المسؤولين ومبدأ المحاسبة. ويقترح المدخل الخامس تنظيم قوافل مشتركة للوساطة الترابية، تستهدف المناطق النائية والفئات التي تعاني صعوبات في الولوج إلى الخدمات الرقمية، ولا سيما الأشخاص في وضعية إعاقة وسكان المجال القروي.
وخلصت الجمعية إلى أن مؤسسة وسيط المملكة راكمت رصيدا مهما من الثقة، غير أن التحولات المرتبطة بإصلاح الإدارة والجهوية المتقدمة والدولة الاجتماعية تفرض الانتقال بها من مؤسسة تركز على معالجة التظلمات الفردية إلى شريك استراتيجي في إصلاح المرافق العمومية والإنذار المبكر بالاختلالات.
المصدر:
العمق