قال المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة إن أحداث الهجرة الجماعية التي استهدفت مدينة سبتة المحتلة تمثل اختبارا عميقا لدرجة الثقة وفعالية التواصل العمومي في المغرب، مبرزا أن الفجوة التواصلية المسجلة ساهمت بشكل مباشر في تحويل مشاعر الإحباط المبعثرة لدى فئات واسعة إلى حركة جماعية منظمة، ومحذرا في الوقت ذاته من الاعتماد على التفسيرات الأحادية التي تختزل الواقعة في مجرد انفلات حدودي، دون الغوص في الدوافع المركبة التي جعلت الشائعة الرقمية تتفوق على الخطاب الرسمي.
وأوضح المركز في تقرير حديث توصلت جريدة “العمق” بنسخة منه أن الأحداث لا تقبل تأويلات تتراوح بين موجة اجتماعية أججتها شائعة، أو ضعف في تحويل الإنذارات إلى سياسة وقائية، مبينا أن التباين المسجل بين حصيلة وزارة الداخلية المغربية التي أحصت الأشخاص عند نقاط الانطلاق والأرقام المنسوبة للسلطات الإسبانية عبر وكالات الأنباء حول الدخول الفعلي، لا يعكس إخفاء متعمدا للمعطيات، بقدر ما يجسد اختلافا في زوايا الرصد وساعات الإقفال وإعادة المحاولة، وهو ما يفرض إعداد مذكرة تقنية مشتركة لتوحيد تعاريف ومسارات العد.
وأكدت الدراسة أن التراجع السريع للآلاف من المشاركين يبرهن على أن قراراتهم استندت إلى نافذة فرصة متخيلة وسريعة الزوال، وتصورات خاطئة حول إمكانية العبور السلس نحو البر الإسباني وباقي الدول الأوروبية، مسجلة أن الشهادات والمقاطع المصورة أظهرت تنوعا كبيرا في التركيبة الاجتماعية للمشاركين، حيث لم يقتصر الأمر على العاطلين والقاصرين فقط، بل شمل أشخاصا يمارسون مهنا في قطاعات الخدمات والموانئ والمخابز، مما يؤكد أن الدوافع تتجاوز الفقر المدقع لتشمل تفاوت الأجور وهشاشة مسارات الترقي المهني وعدوى المحاكاة الجماعية.
وأشار التقرير إلى أن الأزمة تجاوزت طابعها المحلي لتصبح مادة خصبة للتوظيف السياسي والإعلامي الخارجي ضمن سياق دولي مشحون بقضايا الهجرة، مبرزا أن هذا التوظيف لا يمكنه تفسير الجذور الداخلية للواقعة التي تظل مسؤولية تدبيرها مشتركة بين جهات حكومية وترابية متعددة، ومشددا على أن غياب التواصل الاستباقي يمنح أطرافا أخرى مساحة لإعادة تأطير الحدث وفق أجنداتها الخاصة، حيث أن البلاغ المتأخر لوزارة الداخلية رغم أهميته في تقديم الرواية الرسمية وإعلان فتح التحقيقات، لم يعالج بالكامل إشكالية تأخر وصول التصحيح الوقائي للجمهور المستهدف قبل بلوغ الأزمة ذروتها.
وأضاف المركز أن المدخل الحقيقي لمعالجة مثل هذه الأزمات يتجسد في احترام قيمة الإنسان، مؤكدا أن دور السلطات يجب ألا يقتصر على المقاربة الأمنية أو نشر أرقام الوفيات العابرة، بل يتطلب مسارا مؤسساتيا شاملا يبدأ بالتعرف الدقيق على هويات الضحايا وتحديد مصير المفقودين والتواصل المباشر والشفاف مع أسرهم، معتبرا أن إعلان الحداد أو التعبير عن المواساة لا يمثلان اعترافا بالتقصير فحسب، بل تأكيدا على أن حياة الأفراد ليست مجرد هامش في حسابات الدولة، ومطالبا في الآن ذاته بإصدار حصيلة محينة ومشتركة تحسم الجدل وتقطع مع التضارب الإحصائي.
وتابع المصدر ذاته مسلطا الضوء على الخسائر الصامتة التي لم تظهر في الحصائل الرسمية، والمتعلقة بالتكلفة الأسرية الباهظة الناتجة عن ضياع أيام عمل وانقطاع مسارات دراسية وفقدان وثائق شخصية مهمة، إلى جانب استنزاف مدخرات مالية تم إنفاقها في سبيل التجهيز للرحلة، مشددا على ضرورة عدم اعتبار فتح المعابر وعودة الأشخاص نهاية المطاف، بل يجب إرساء آليات للمواكبة النفسية والقانونية والاجتماعية لتأمين إعادة الإدماج وتفادي تكرار سيناريوهات الهروب المستقبلي.
وخلصت الورقة التحليلية إلى طرح نموذج سببي متكامل من خمس حلقات لتفكيك ميكانيزمات الأزمة، يبدأ بمخزون بنيوي يطبعه ضعف الاستخدام المهني وتطبيع مع المغادرة، يتفاعل مع بيئة ترابية حدودية هشة فقدت جزءا من توازنها الاقتصادي، مرورا بشرارة معلوماتية انطلقت من تأويلات مضللة لقرارات قضائية إسبانية وبرامج تسوية استثنائية، لتولد محاكاة جماعية جعلت الأفراد يتبعون حشودا توحي بامتلاكها لمعلومات مؤكدة، وصولا في النهاية إلى فجوة مؤسساتية تتسم بضعف الوساطة، وهو ما سمح للمنصات الرقمية بتعويض دور الأسرة والمدرسة والإعلام العمومي في توجيه قناعات الشباب.
المصدر:
العمق