طالبت فعاليات حقوقية وجمعوية في ورزازات وزاكورة بفتح تحقيق رسمي في معطيات تتحدث عن نقل مهاجرين غير نظاميين وأشخاص في وضعية تشرد أو اضطراب نفسي من مدن كبرى وساحلية إلى الإقليمين، محذرة من التداعيات الإنسانية والاجتماعية والأمنية لهذه الممارسات، في ظل محدودية مرافق الاستقبال والرعاية بالمنطقة.
وقالت الفعاليات ذاتها إن حافلات تُقل وافدين من مدن أخرى تصل بين الحين والآخر إلى المنطقة، قبل تركهم من دون مواكبة اجتماعية أو صحية، مشيرة إلى تسجيل حالات مماثلة تتعلق بنقل كلاب ضالة والتخلص منها بنفوذ الإقليمين، فيما لم يصدر، إلى حدود الساعة، توضيح رسمي من السلطات المختصة بشأن الجهة التي تقف وراء عمليات النقل المزعومة، أو طبيعة التدابير المتخذة للتكفل بالأشخاص المعنيين.
وفي هذا السياق، عبّر الناشط الحقوقي المنحدر من زاكورة، إدريس معرير، عن استيائه من تكرار وصول مجموعات من المهاجرين والأشخاص في وضعية تشرد إلى المدينة، معتبرا أن ساكنة الإقليم تشعر بأنها تتحمل تبعات مشاكل اجتماعية قادمة من مناطق أخرى، قائلا إن السكان يفاجؤون بوصول حافلات تقل مهاجرين غير نظاميين، بالتزامن مع تسجيل انتشار أشخاص يعانون اضطرابات نفسية وكلاب ضالة، متسائلا عن أسباب تحميل مدينة تعاني أصلا من الهشاشة والتهميش أعباء إضافية تفوق قدراتها.
واعتبر معرير في تصريح لجريدة “العمق”، أن المنطقة تُستثنى، بحسب تعبيره، من المشاريع التنموية الكبرى والحلول الاجتماعية المستدامة، بينما تستقبل فئات تحتاج إلى إمكانيات بشرية ومادية ومؤسسات متخصصة لا تتوفر عليها بالشكل الكافي، مطالبا بتدخل عاجل لتوضيح حقيقة عمليات النقل، وإقرار حلول تحترم كرامة الأشخاص المعنيين، بالتوازي مع تعزيز البرامج التنموية والاجتماعية الموجهة إلى ساكنة الإقليم.
من جانبه، حذر الفاعل الجمعوي والحقوقي عبد الله إيعيش من التداعيات المترتبة عن ترك المهاجرين والأشخاص في وضعية تشرد بالمدينة من دون مأوى أو مواكبة، مبرزا أن غياب مراكز الاستقبال والرعاية يدفع بعض الوافدين إلى التسول أو قضاء الليل في الشوارع والفضاءات العامة، مؤكدا أن الإقليم يعاني أصلا من محدودية فرص الشغل والاستثمار، وضعف البنيات الاجتماعية المخصصة للفئات الهشة.
كما نبه إيعيش إلى المخاطر الناتجة عن انتشار أشخاص يعانون اضطرابات نفسية حادة من دون علاج أو متابعة، مستشهدا بحادث شهدته منطقة “التنصيطة خشع” بزاكورة، تعرض خلاله شاب لاعتداء خطير نُسب إلى شخص يُعتقد أنه يعاني اضطرابا نفسيا، مشددا على ضرورة عدم التعامل مع هذه الفئات باعتبارها مصدر تهديد فقط، مؤكدا أنها تحتاج بدورها إلى الحماية والعلاج والإيواء، عبر مؤسسات صحية واجتماعية متخصصة تحفظ كرامتها وتحمي السكان في الوقت نفسه.
امتدت الانتقادات إلى طريقة تدبير ظاهرة الكلاب الضالة، بعدما تحدثت الفعاليات المحلية عن نقل أعداد منها إلى مناطق بإقليمي زاكورة وورزازات بدلا من اعتماد حلول مستدامة داخل المدن التي جاءت منها، حيث وصف إيعيش طريقة التعامل مع الظاهرة بـ”غير الإنسانية”، داعيا إلى إحداث مرافق مخصصة لإيواء الحيوانات، واعتماد عمليات التعقيم والتلقيح والرعاية البيطرية، بدل نقل المشكلة من مجال ترابي إلى آخر.
وأكد أن التخلص من الكلاب داخل مناطق أخرى لا يعالج جذور الظاهرة، بل يؤدي إلى نقل مخاطرها الصحية والبيئية إلى جماعات تفتقر بدورها إلى الإمكانيات الضرورية للتعامل معها. وربط عبد الله إيعيش هذه التطورات بما وصفه بضعف التدبير المحلي واستمرار الترويج لمشاريع لا يظهر أثرها المباشر على حياة المواطنين.
وأشار إلى أن عددا من المرافق، من بينها المركب الثقافي والقاعة المغطاة والمحطة الطرقية وبعض ملاعب القرب، إما تعود إلى مراحل تدبيرية سابقة، أو تعاني اختلالات تحد من استفادة السكان منها، داعيا المسؤولين المحليين والمنتخبين إلى تقديم حصيلة واضحة بشأن المشاريع المنجزة، والكشف عن التدابير المتخذة لمعالجة مظاهر التشرد والهشاشة واضطرابات الصحة النفسية، بعيدا عن الوعود التي لا تنعكس على الواقع اليومي للساكنة.
بدوره، اعتبر الفاعل الجمعوي بمدينة ورزازات، حسن السمكاني، أن نقل المتشردين والمهاجرين والأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية إلى المدن الصغرى وتركهم في الشوارع يمثل “جريمة في حق هؤلاء الأشخاص وفي حق المدن المستقبلة”، قائلا إن محاولة “تنظيف” المدن الكبرى والساحلية من مظاهر التشرد عبر نقلها إلى مدن أخرى تكرس منطق الحلول السهلة، ولا تقدم معالجة إنسانية أو اجتماعية حقيقية للمشكلة.
وأضاف أن مدن الهامش لا تتوفر على الإمكانيات المالية واللوجستية والمؤسساتية اللازمة لاستقبال أعداد إضافية من الأشخاص المحتاجين إلى الرعاية، معتبرا أن الوجهة الطبيعية لمن يعانون اضطرابات نفسية هي المؤسسات الاستشفائية، فيما يحتاج المشردون إلى مراكز إيواء وبرامج لإعادة الإدماج والبحث عن أسرهم.
وطالب الفاعل الجمعوي السلطات الإقليمية بورزازات بتنظيم حملات عاجلة لإيواء الأشخاص الموجودين في الشوارع، وتوفير الرعاية الصحية والنفسية لهم، ومعالجة جروحهم والبحث عن ذويهم، بدل الاكتفاء بنقلهم أو إبعادهم من مكان إلى آخر. كما دعا إلى اتخاذ إجراءات لمنع أي عمليات منظمة تهدف إلى ترك مهاجرين أو متشردين داخل تراب الإقليم من دون تنسيق مسبق أو توفير شروط الاستقبال والتكفل.
وطالبت الهيئات الحقوقية والجمعوية في ورزازات وزاكورة بفتح تحقيق لتحديد الجهات التي تقف وراء عمليات النقل المتحدث عنها، والكشف عن الأساس القانوني والإداري المعتمد فيها، ومآل الأشخاص المرحلين بعد وصولهم إلى الإقليمين، داعية إلى التحقق من ظروف نقل المهاجرين، خاصة من حيث احترام كرامتهم وسلامتهم وحقوقهم القانونية، وعدم تركهم في مناطق بعيدة من دون مأوى أو وسائل للعيش.
كما طالبت المصالح الحكومية والسلطات المختصة بإصدار توضيح رسمي بشأن حقيقة هذه المعطيات، وتقديم أرقام حول أعداد الأشخاص الذين جرى نقلهم والجهات التي انطلقوا منها، والإجراءات المتخذة لمواكبتهم، مشددة على أن معالجة الهجرة والتشرد والصحة النفسية وظاهرة الكلاب الضالة ينبغي أن تقوم على سياسات وطنية منسقة ومؤسسات متخصصة، لا على نقل الأزمات بين المدن وتحميل المناطق محدودة الإمكانيات أعباء اجتماعية جديدة.
المصدر:
العمق