رغم “الاستقرار النسبي” الذي استعاده معدن الذهب في الأسواق الدولية، مدفوعا بقرار بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، نهاية يوليوز الجاري، “الإبقاءَ على سعر الفائدة دون تغيير”، يؤكد مهنيون في قطاع صناعة وتجارة الذهب والمجوهرات بالمغرب، تحدثت إليهم هسبريس، أن “السوق الوطنية تعيش وضعا مغايرا تماما”، تطبعه حالة من “الارتباك” و”الانفصال” عن مسار البورصات العالمية، في ظل سيرورة متواصلة من “تراجع حاد وغير مسبوق في الطلب”.
أبقى “الفيدرالي” الأمريكي، للمرة الخامسة على التوالي، على سعر الفائدة دون تغيير ضمن نطاق يتراوح بين 3.50 و3.75 في المائة، في قرار صدر يوم 29 يوليوز المنصرم بأغلبية تسعة أصوات مقابل ثلاثة داخل لجنة السياسة النقدية، في واحد من أكثر الاجتماعات انقساما منذ سنوات.
القرار جاء وسط ضغوط تضخمية متصاعدة تغذيها الحرب المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران في الشرق الأوسط منذ فبراير الماضي، والتي أبقت أسعار النفط وتوقعات التضخم “مرتفعة” رغم فترات “هدنة متقطعة” بين الطرفين.
وقد ساهم القرار في استعادة الذهب بعض استقراره عالميا؛ إذ استقر سعر الأوقية في حدود 4100 دولار نهاية يوليوز، محققا أول مكسب شهري له منذ خمسة أشهر، بعدما كان قد فقد أكثر من 15 في المائة من قيمته عقب الصدمة الأولى لاندلاع الحرب.
غير أن هذا الاستقرار الذي تعرفه البورصات الدولية لم يجد له صدى في السوق المحلية، بحسب مهنيين في القطاع. وأكد مصدر مهني مطلع لجريدة هسبريس أن “السوق مرتبكة ولم تعد لها أي علاقة بالسوق الدولية ولا بالبورصة العالمية”، موضحا أنه “في الأيام التي تسجل فيها السوق العالمية انخفاضا، يدّعي الباعة المحليون عدم توفر الذهب وينتظرون ارتفاع الأسعار من جديد قبل البيع”.
وأضاف المصدر ذاته أنه “كان من المنتظر أن يُترجِم تراجع قيمة الذهب عالميا إقبالا أكبر على اقتناء الحلي والمجوهرات محليا، غير أن الواقع سار في الاتجاه المعاكس”؛ إذ تشهد المهنة، على حد توصيفه، “تراجعا كبيرا وخطيرا”.
وحسب إدريس الهزاز، رئيس الفدرالية المغربية للصياغين، التي تضم العديد من الجمعيات المهنية الجهوية والمحلية لقطاع صياغة الحلي والمجوهرات في المغرب، فإنه إذا كانت “لا تزال حفلات الأعراس قائمة، إلا أن سلوك الاستهلاك تغيّر بشكل ملحوظ: فالزبون الذي كان يقتني ما بين 200 و300 غرام من الذهب بات يكتفي، في أفضل الأحوال، بما بين 30 و40 غراما فقط”.
وتابع الهزاز أن “المغاربة المقيمين بالخارج، الذين كانوا يشكلون زبائن أساسيين للقطاع، باتوا يُحجمون عن الشراء، خصوصا الجيل الثالث من أبناء الجالية. كما أن الفلاحين، وهم شريحة أخرى كانت تقتني الذهب بانتظام، توقفوا هم أيضا عن ذلك، وهو ما يعكس تراجعا كبيرا في التجارة”.
وفي إفادته للجريدة، كشف رئيس الفدرالية المغربية للصياغين أن “عددا من مقاولات صناعة الحلي والمجوهرات، صغيرة كانت أم كبيرة، قررت تقديم موعد عطلتها السنوية إلى شهر غشت الجاري، في مؤشر واضح على ضعف الطلب”. وذكر أن ممثلي المهنة عقدوا، قبل نحو أسبوع، اجتماعا دام ساعتين ونصف مع مجلس المنافسة خُصص لملف التزويد بالمادة الأولية، غير أن الجواب الذي تلقوه اقتصر على “وعد بإجراء دراسة وتشكيل لجنة”.
وأشار المصدر عينه أيضا إلى أن الفارق بين الأسعار المحلية وأسعار السوق الموازية يتراوح باستمرار بين 120 و150 درهما، وأن “عددا من المغاربة المقيمين في أوروبا باتوا يفضلون اقتناء الذهب من دول الخليج عوض المغرب، بسبب فارق الأسعار بين البلدين”.
من جهته، أكد مجيد الحريشي، تاجر في قطاع المجوهرات، “وجود حالة من عدم اليقين بشأن التطورات المرتقبة للأسعار”، مبرزا أنه رغم الاستقرار الذي تعرفه الأسواق الدولية، إلا أن “الإشكال الأساسي بالمغرب يكمن في عدم مواكبة السوق الوطنية لهذا المسار”.
وأوضح أن الأسعار في القطاع المحلي تتجاوز نظيرتها في السوق العالمية بفارق يتراوح بين 70 و120 درهما، و”قد يتسع أحيانا تبعا للتكاليف الإضافية أو دخول فاعلين جدد على الخط”.
وفي إطار معالجة هذا الوضع، رُفع الملف إلى مجلس المنافسة بصفته السلطة المختصة، حيث عُقد لقاء رسمي طُرحت خلاله تساؤلات صريحة حول مدى قدرة المجلس على التدخل المباشر لضبط السوق. وتبين من خلاله أن دور المجلس يقتصر على تحليل المعطيات المتوفرة، ثم رفع نتائج هذا التحليل وتوصياته إلى الوزارات المعنية، وفي مقدمتها وزارات المالية والتجارة والصناعة والطاقة والمعادن، “دون أن تكون له صلاحية التدخل المباشر لحسم الوضع”، بحسب ما أكده الحريشي لهسبريس.
ولم يُخف المهني ذاته، الذي يشغل مهام قيادية في مكتب الفدرالية المهنية سالفة الذكر، “خيبة أمل إزاء محدودية صلاحيات مجلس المنافسة”، مؤكدا أن القطاع يعيش “ركودا تاما وشللا شبه كامل”.
وأرجع هذا التردي إلى “تضافر عوامل عدة”، أبرزها التطورات والتوترات الدولية الأخيرة، إضافة إلى “ممارسات احتكارية تنهجها بعض الجهات المتحكمة في المادة الأولية”، التي تفرض الأسعار والزيادات وفق ما تراه مناسبا، وهو ما يغذي، بحسب تعبيره، “شعورا متزايدا بالإحباط من استمرار النقاش حول هذا الملف دون بلوغ حلول ملموسة”.
وبين استقرارٍ حذر تعرفه الأسواق الدولية مدفوع بقرار “الفيدرالي”، وهدنة “هشة” في الشرق الأوسط، وواقع محلي يصفه المهنيون بالركود والانفصال عن المسار العالمي، يبقى مصير ملف تسعير الذهب والمجوهرات بالمغرب معلقا بين أروقة مجلس المنافسة والوزارات الوصية. وفي انتظار أي إشارة ملموسة، اختار عدد من فاعلي القطاع تقديم موعد عطلتهم الصيفية، في “مؤشر إضافي على حجم الركود” التي يعيشها القطاع في السنوات الأخيرة.
المصدر:
هسبريس