آخر الأخبار

أحمد بوز يكتب: عندما يهزم البحر السياسة

شارك

ليست كل الأحداث تُقاس بعدد المشاركين فيها، ولا تختزل دلالاتها في أرقام الضحايا أو الناجين. فبعض الوقائع تتحول إلى لحظات كاشفة تعيد طرح أسئلة حقيقية ظلت مؤجلة لسنوات. وما شهدته مدينة سبتة من تدفق آلاف الأشخاص من مختلف الأعمار، بينهم أطفال ونساء وشباب وعائلات بأكملها، وهم يخاطرون بحياتهم لعبور البحر نحو الضفة الأخرى، لا يمكن اختزاله في مجرد موجة جديدة من الهجرة غير النظامية أو حادث أمني عابر.

إنها لحظة سياسية واجتماعية بامتياز، لأنها تكشف المسافة الفاصلة بين خطاب يحتفي بالتنمية والإنجازات، وواقع يدفع مواطنين إلى المجازفة بحياتهم بحثا عن مستقبل خارج الوطن.

كانت الصورة الأكثر تعبيرا في بداية هذه الموجة صورة الشابة “فرح” وهي تعبر البحر سباحة. وما إن وطئت قدماها مدينة سبتة حتى انفجرت فرحا، وكأنها حققت حلم العمر. لم يكن ذلك احتفالا بإنجاز رياضي، بل كان تعبيرا رمزيا عن الوصول إلى ما تعتبره بداية حياة جديدة. لقد اختزلت تلك الصورة التحول الكبير الذي طرأ على نظرة جزء من الشباب إلى المستقبل؛ فالوطن الذي يفترض أن يكون فضاء لتحقيق الطموحات، أصبح في نظر بعضهم محطة للمغادرة، بينما تحولت الضفة الأخرى إلى رمز للخلاص.

غير أن صورة فرح سرعان ما فقدت خصوصيتها أمام تسارع الأحداث. فما بدأ بصورة فردية تحول إلى مشاهد جماعية مؤلمة، مع ارتفاع أعداد المتدفقين نحو سبتة. ولم تعد الكاميرات تنقل صور شاب أو شابة يخوضان مغامرة منفردة، بل أصبحت ترصد أطفالا يتعلقون بأجساد آبائهم، وأمهات يخضن البحر، وعائلات كاملة تواجه المجهول.

ولم تتوقف المشاهد عند شاطئ البحر، بل امتدت إلى مدن عدة، حيث أظهرت الصور مئات الأشخاص، معظمهم من الشباب، وهم يتجهون نحو محطات الحافلات والقطارات في محاولة للالتحاق بمن سبقوهم إلى شمال المملكة أملا في الوصول إلى سبتة. وتحولت تلك المحطات إلى فضاءات تعكس حجم التعبئة “العفوية” التي أحدثتها أخبار العبور، وكأن البلاد كانت تتحرك في اتجاه واحد.

في تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلق بقصة فردية أو بمغامرة معزولة، بل بصورة مجتمع يبعث برسالة جماعية لا يمكن تجاهلها. رسالة لا تُكتب بالكلمات، وإنما تُكتب بحركة الآلاف نحو الشمال، وبالأقدام التي تسابق الزمن، وبالأجساد التي تواجه البحر، وبالأمل الذي أصبح، بالنسبة إلى كثيرين، موجودا في الضفة الأخرى.

لقد كانت تلك المشاهد، بما حملته من اندفاع جماعي وإصرار على المجازفة، أبلغ من أي استطلاع للرأي، لأنها كشفت عن حجم الرغبة في الرحيل، وعن عمق الأزمة التي تدفع عددا كبيرا من الشباب إلى اعتبار الهجرة، رغم مخاطرها، الخيار الأكثر قابلية للتصديق.

هذه الوقائع تفرض إعادة النظر في عدد من المسلمات التي أصبحت جزءا من الخطاب العمومي. فمنذ سنوات، يركز هذا الخطاب على الأوراش الكبرى، وجاذبية الاستثمار، والبنيات التحتية، والمكانة الدولية للمغرب، والاستقرار السياسي والمؤسساتي، وصولا إلى الحديث عن “الدولة الصاعدة”.

ولا شك أن المغرب حقق إنجازات مهمة في عدد من المجالات، وأنه استطاع الحفاظ على استقراره في محيط إقليمي مضطرب، وهو مكسب لا يمكن التقليل من أهميته. غير أن السؤال الذي تطرحه صور سبتة ليس حجم ما تحقق فقط، وإنما مدى انعكاس ذلك على شعور المواطنين، وخاصة الشباب، بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل الوطن وليس خارجه.

فالدولة لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، وإنما أيضا بقدرتها على بناء الثقة، وتحويل النمو الاقتصادي إلى أمل اجتماعي، وجعل الكفاءة والعمل طريقا حقيقيا للارتقاء. وعندما يشعر الشباب بأن هذه الآفاق تضيق، يصبح البحر، بكل مخاطره، أقل رهبة من انتظار فرصة قد لا تأتي.

وتكتسب هذه الوقائع دلالة أكبر لأنها تأتي في سياق يستعد فيه المغرب لتنظيم استحقاقات انتخابية جديدة. فالانتخابات، في جوهرها، ليست مجرد آلية لتوزيع المقاعد أو تشكيل الحكومات، وإنما وسيلة لتجديد الثقة بين الدولة والمجتمع، وإقناع المواطنين بأن المشاركة السياسية قادرة على تحسين أوضاعهم.

لكن ما معنى الانتخابات بالنسبة إلى شاب يرى أن مستقبله يوجد خارج بلده؟ وكيف يمكن إقناع آلاف الشباب بالمشاركة السياسية، بينما يخوضون مغامرة الهجرة مستعدين للمخاطرة بحياتهم أكثر من انتظار نتائج صناديق الاقتراع؟

هذه الأسئلة لا تستهدف التشكيك في أهمية المؤسسات، ولا الدعوة إلى العزوف عن الانتخابات، وإنما تدعو إلى مراجعة العلاقة بين السياسة والواقع الاجتماعي. فالسياسة تفقد جزءا من معناها عندما تعجز عن تحويل الأمل إلى سياسات ملموسة، وعندما يصبح النقاش الانتخابي بعيدا عن الانشغالات اليومية للمواطنين.

ويزداد هذا الشعور حين تختزل الممارسة السياسية في صراع بين نخب محدودة احترفت تدبير الشأن العام، وتحولت لدى بعض مكوناتها إلى وسيلة لإعادة إنتاج المواقع والنفوذ، بل وأحيانا إلى مجال للحفاظ على الامتيازات داخل دوائر عائلية وحزبية ضيقة، بدل أن تكون فضاء للتنافس حول المشاريع والبرامج.

كما يتعمق هذا الانفصال عندما تنصرف بعض الأصوات، التي يفترض أن تضطلع بدور الوساطة والنقد والمساءلة، إلى إعادة إنتاج خطاب يحتفي بالمنجزات ويهون من الإخفاقات. عندها يصبح شعار “العام زين” بديلا عن النقاش العمومي الجاد، وتصبح الرواية الرسمية أكثر حضورا من الوقائع التي يعيشها المواطنون في حياتهم اليومية.

وعندما تتسع الهوة بين الخطاب والواقع، لا يعود المواطن في حاجة إلى من يقنعه بحقيقة أوضاعه، لأن الواقع نفسه يصبح أبلغ من كل الخطب، وأقوى من كل الشعارات.

الأخطر من ذلك أن هؤلاء الشباب لم يكتفوا بالاحتجاج الصامت على واقعهم، بل كتبوا خطابهم الخاص؛ خطاب الواقع الذي لا تصنعه البيانات الرسمية ولا البرامج الانتخابية، وإنما تكتبه أجساد تلقي بنفسها في البحر، ووجوه يكسوها الخوف والأمل في آن واحد. إنه خطاب لا يحتاج إلى كلمات، لأن صوره أبلغ من كل البلاغات، ورسائله أقوى من كل الشعارات.

ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى جلد الذات أو إنكار ما تحقق من منجزات، وإنما بالحاجة إلى قدر أكبر من الصراحة والجرأة السياسية. فالدول القوية ليست تلك التي تخفي مشاكلها، بل تلك التي تمتلك الشجاعة للاعتراف بها وتحويلها إلى منطلق لإصلاحات جديدة.

كما أن الاستقرار ليس قيمة جامدة، بل هو نتيجة للعدالة الاجتماعية، وجودة التعليم، وتوفير فرص الشغل، وترسيخ الشعور بأن المستقبل يصنع داخل الوطن.

إن صور سبتة يجب أن تقلق الجميع، لأنها لا تعكس أزمة هجرة فقط، بل تعكس أزمة أمل. فعندما يصبح عبور البحر مشروع حياة، وعندما تتحول الضفة الأخرى إلى حلم جماعي، فإن الأمر يتجاوز قضايا الحدود والأمن والهجرة، ليصل إلى جوهر العلاقة بين المواطن والدولة.

لذلك فإن أفضل رد على تلك الصور لا يكون بالإنكار أو التبرير، ولا بالاكتفاء بالاحتفاء بما تحقق من منجزات، وإنما بفتح نقاش وطني صريح حول السياسات العمومية وأولويات المرحلة المقبلة، وكيفية إعادة بناء الثقة بين الدولة وشبابها.

فالمشكلة ليست في البحر، وإنما في الرسالة التي حملها إلينا. وإذا كانت السياسة هي فن الإنصات إلى المجتمع، فإن أول ما ينبغي أن تفعله اليوم هو الإنصات إلى خطاب الواقع الذي كتبه هؤلاء الشباب بأجسادهم، لأن هذا الخطاب، مهما كان مؤلما، يظل أصدق من كل الشعارات وأبلغ من كل الكلمات.

أحمد بوز – أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا