بقلم الدكتور جمال العزيز
ما تشاهده مدينة الفنيدق في الأيام الأخيرة، يفرض على كل متابع للشأن الوطني والجيوسياسي أن يطرح أسئلة مشروعة حول التوقيت والسياق، والتفاعلات الإقليمية والدولية التي سبقته ورافقته. فحين يحاول آلاف الشباب المغاربة العبور نحو سبتة المحتلة في ظرف زمني حساس، فإن الأمر يتجاوز البعد الأمني ليطرح تحديات سياسية ومجتمعية تستوجب قراءة هادئة ومسؤولة.
لقد دخلت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة، قوامها الوضوح السياسي وتوازن المصالح، بعد الموقف الإسباني الداعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الشراكة بين الرباط ومدريد أكثر نضجا، وأكثر ارتباطا بالمصالح الإستراتيجية المشتركة في مجالات الأمن والهجرة والإستثمار والطاقة.
وفي المقابل، يبقى من الطبيعي أن تتابع المملكة المغربية بكل يقظة مختلف التحركات الدبلوماسية والإقليمية التي قد تؤثر في هذا التوازن، لأن قضية الصحراء المغربية مقياس لصدقية الشراكات الدولية و الإلتزامات الإستراتيجية.
وقد رسخ المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، مدرسة دبلوماسية تقوم على النفس الطويل والوضوح، والدفاع عن المصالح العليا للوطن بالحكمة والإتزان، كشريك موثوق على المستويين الإقليمي والدولي.
لكن، وفي خضم هذا النقاش الجيوسياسي، يبرز سؤال أكثر عمقا: لماذا كان أغلب من حاولوا العبور من الشباب؟
هذا السؤال يقود إلى البحث عن المسؤول و ماهي التفسيرات الممكنة لهذا النزوح في هاته الظرفية الحساسة ، علما أن الهجرة غير النظامية ظاهرة عالمية، تتداخل فيها التحولات الإقتصادية والإجتماعية، والتأثير المتزايد للفضاء الرقمي، وشبكات الإتجار بالبشر التي تستغل أحلام الشباب، وتغذي لديهم أوهام العبور السريع،ودور الإشاعة في نشر فكرة العبور الآمن للبحث عن فرص جديدة للعيش الكريم.
لقد كان هذا الجيل قبل أشهر قليلة، يحتج بتعبيرات راقية ( رغم ما رافقها من نشاز) عن مجموعة من الأوضاع التي كانت ولازالت تمثل رهانات المغرب الصاعد. و إقدام جزء من هذا الجيل على الهجرة غير النظامية، وفي توقيت يسبق الإستحقاقات التشريعية ومسار القضية الوطنية بأسابيع قليلة، ينبغي أن يشكل جرس إنذار يدعو إلى التفكير في سبل تعزيز الثقة والأمل، بعيدا عن توزيع الإتهامات والبحث عن شماعات سياسية.
إن المغرب، وهو يواصل أوراشه الإصلاحية والتنموية الكبرى تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بمواصلة الإستثمار في الرأسمال البشري، وتعزيز منسوب الثقة لدى الشباب، وتوسيع فضاءات الإدماج الإقتصادي والإجتماعي، حتى يظل الوطن فضاء لتحقيق الطموحات.
إن آلاف الشباب الذين حاولوا العبور لا يمثلون صورة المغرب، ولا يعكسون حقيقة شباب يؤمن بوطنه ويحقق النجاحات في مختلف المجالات داخل المملكة وخارجها، لكنهم يحملون رسالة تستحق الإنصات. وهذه فرصة للمراجعة والتطوير وتعزيز السياسات العمومية بعيدا عن المزايدة السياسوية .
ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة التي ستلي الإنتخابات التشريعية المقبلة مدعوة إلى إطلاق نفس جديد في السياسات الموجهة للشباب، من خلال بناء مشروع وطني متكامل للإستثمار في الإنسان، يجعل من الشباب والنساء محورا أساسيا لمغرب المستقبل، باعتبارهما القوة الحقيقية القادرة على مواصلة الأوراش الكبرى التي انخرطت فيها المملكة.
وأعتقد أن من بين الإصلاحات الإستراتيجية التي تستحق النقاش العمومي، إحداث وزارة مستقلة للتكوين المهني الريادي والمهارات المستقبلية، تتولى إعداد الشباب لمهن المستقبل، وربط التكوين بسوق الشغل والإنتاج والمقاولة والإقتصاد الرقمي والإقتصاد الأخضر، مع إيلاء عناية خاصة بالعالمين القروي والحضري، حتى يصبح التكوين المهني مسارا للتميز والإبداع وإنتاج الثروة.
كما أصبح من الضروري إرساء مسارات أكاديمية مرنة تسمح بالإنتقال السلس من التكوين المهني إلى التعليم الجامعي، وصولا إلى الإجازة والماستر والدكتوراه،وتعزيز اقتصاد المعرفة بالكفاءة والإبتكار والإنتاجية.
وفي الوقت نفسه، يبقى القطاع الخاص شريكا أساسيا في هذا المشروع الوطني، من خلال توسيع قدرته على استيعاب الكفاءات الشابة، وتحفيز الإستثمار المنتج، وتشجيع المقاولات الناشئة، بما يحول النمو الإقتصادي إلى فرص حقيقية للشغل والإدماج الإجتماعي.
ولا يخفى أن كل مرحلة انتقالية قد تستغلها بعض الجهات التي تراهن على تغذية الإحباط أو التشكيك في المؤسسات أو تأجيج الفتنة النائمة خدمة لأجندات لا تخدم المصلحة الوطنية. ولذلك، فإن تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وإشراك الشباب والنساء في صناعة القرار، وتقوية الوسائط السياسية والمدنية، يظل أفضل جواب على كل من يتربص باستقرار الوطن ووحدته ومؤسساته.
لقد أكدت التجربة المغربية، أن مؤسساتها بإرادة ملكية راسخة وتتبع دقيق، قادرة على احتضان طاقات شبابها و تحويلها إلى مشاريع وأمل وفرص.
إن الهجرة غير النظامية ومختلف التعبيرات ، اختبار لصلابة الدولة والمجتمع معا. وسيظل المغرب قويا بمؤسساته ووحدته وشبابه ونسائه. وحماية الأمل داخل الوطن تبدأ بحماية الثقة والإستثمار في الإنسان
المصدر:
هبة بريس