أعاد تزايد ظهور الأفاعي بعدد من المناطق الغابوية والقروية بإقليم خنيفرة، خلال فصل الصيف، إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بحوادث اللدغ، خاصة بعد تسجيل عدد من الحالات خلال السنة الجارية، من بينها وفاة رجل بجماعة حد بوحسوسن بعد تعرضه للدغة أفعى، وإصابة شاب آخر، فضلا عن رصد أفاع مختلفة بمناطق متفرقة من الإقليم، وهو ما أثار تساؤلات حول أسباب انتشار هذه الزواحف، ومدى خطورة الأنواع الموجودة، وجاهزية المنظومة الصحية للتعامل مع حالات اللدغ.
وفي هذا السياق، أكد سفيان زروال ومحمد مساعد، عن الجمعية المغربية للمحافظة على الزواحف والبرمائيات (Morocco Herpetology)، في تصريح لـ”العمق المغربي”، أن تزايد ظهور الأفاعي خلال فصل الصيف يعد أمرا طبيعيا من منظور علم الزواحف، مشيرين إلى أن إقليم خنيفرة يعد من أغنى مناطق المغرب من حيث التنوع البيولوجي، إذ يحتضن تسعة أنواع من الثعابين، معظمها لا يشكل أي خطر على صحة الإنسان، بينما يقتصر الخطر الطبي على نوعين فقط، هما الأفعى الموريطانية (Daboia mauritanica) وأفعى الأطلس (Vipera monticola).
وأوضح الباحثان أن فصل الصيف يمثل ذروة النشاط السنوي للثعابين، بعدما تكون قد خرجت من فترة السبات الشتوي مع بداية الربيع وارتفاع درجات الحرارة، حيث تنشط للتزاوج والبحث عن الغذاء، وهو ما يجعل مصادفتها خلال هذه الفترة أمرا عاديا، خاصة مع تزايد الأنشطة الفلاحية والرعوية داخل الحقول والغابات، الأمر الذي يفسر تسجيل أغلب حالات اللدغ في هذا الموسم.
وأضاف زروال ومساعد أن الأفعى الموريطانية تعد أكثر الأنواع السامة انتشارا بالإقليم، نظرا لقدرتها على التأقلم مع مختلف النطاقات البيومناخية والتضاريس، وتفضيلها للمناطق الجبلية الرطبة والغنية بالغطاء النباتي والأودية والصخور الكبيرة، حيث يمكن العثور عليها إلى غاية ارتفاع 2300 متر، في حين تبقى أفعى الأطلس نوعا جبليا نادرا ومحدود الانتشار، يعيش غالبا فوق 1500 متر، ولذلك فإن حالات اللدغ المنسوبة إليه تبقى قليلة جدا.
ونفى المتحدثان ما يروج عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي بشأن وجود تزايد غير طبيعي في أعداد الثعابين أو قيام جهات بإطلاقها في البرية، مؤكدين أن هذه الزواحف كانت موجودة دائما في محيطها الطبيعي، غير أن تزايد اهتمام المواطنين بالزواحف، ورغبتهم في التعرف على أنواعها ودرجة سميتها ومناطق انتشارها، جعل توثيق مشاهدتها أكثر انتشارا خلال السنوات الأخيرة.
وأشار الخبيران إلى أن كثرة ظهور الأفاعي لا تعني بالضرورة حدوث تغير في سلوكها، وإنما ترتبط أساسا بارتفاع نشاطها الطبيعي خلال الفصول الدافئة، إضافة إلى تأثير بعض العوامل البيئية، وعلى رأسها الجفاف، الذي يؤدي إلى تراجع الموارد الطبيعية من ماء وفرائس داخل موائلها، ما قد يدفعها إلى الاقتراب من التجمعات السكنية المجاورة للغابات والجبال بحثا عن الماء أو الظل أو القوارض، خاصة أن عددا من دواوير وقرى إقليم خنيفرة تقع بمحاذاة المجالات الغابوية، وهو ما يجعل الاحتكاك بين الإنسان والثعبان أمرا واردا خلال مزاولة الأنشطة الفلاحية.
وأكد الباحثان أن الأفعى الموريطانية تعد من أخطر الأفاعي السامة بالمغرب، وهي المسؤولة عن معظم حالات اللدغ الخطيرة، بما فيها الحالات المسجلة بإقليم خنيفرة، موضحين أن سمها يحتوي على مركبات بروتينية وإنزيمية قد تتسبب في نزيف واضطرابات في تخثر الدم وتلف الأنسجة، وقد تكون اللدغة مميتة إذا لم يتلق المصاب العلاج الطبي في الوقت المناسب أو تأخر في الوصول إلى المستشفى. أما أفعى الأطلس، فرغم سميتها، فإن حالات اللدغ المنسوبة إليها تبقى نادرة بسبب محدودية انتشارها.
وفي ما يتعلق بسبل الوقاية، أوصى زروال ومساعد بتوخي الحذر أثناء مزاولة الأنشطة الفلاحية أو التنقل داخل الحقول والغابات، مع مراقبة أماكن وضع اليدين والقدمين، واستعمال مصابيح قوية عند التنقل ليلا، وتجنب الجلوس قرب أكوام الحجارة والجدران الحجرية المجوفة وجذوع الأشجار ذات التجاويف، لأنها تشكل أماكن مفضلة لاختباء الأفاعي، كما شددا على أهمية مكافحة القوارض، وإزالة الأعشاب والمتلاشيات المحيطة بالمنازل، وسد الشقوق والفتحات، وتوفير إنارة جيدة بمحيط المساكن.
واختتم الباحثان تصريحهما بالتأكيد على أن الثعابين، سواء كانت سامة أو غير سامة، تؤدي دورا بيئيا مهما في تنظيم أعداد القوارض والحفاظ على التوازن الطبيعي، داعيين إلى احترام موائلها الطبيعية، وتجنب قتلها أو محاولة الإمساك بها، مع جعل التوعية والوقاية، إلى جانب تعزيز جاهزية المنظومة الصحية، الركائز الأساسية للحد من حوادث اللدغ بالإقليم.
وفي إطار استقاء المعطيات الرسمية، حاولت جريدة “العمق المغربي” التواصل مع مصلحة التواصل بالمديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة بني ملال-خنيفرة، للاستفسار حول مدى توفر الأمصال المضادة لسموم الأفاعي بالمستشفى الإقليمي بخنيفرة وبالمؤسسات الصحية التابعة للإقليم، وكذا بروتوكول التكفل بحالات لدغات الأفاعي، غير أن جميع الاتصالات الهاتفية التي أجرتها الجريدة لم تجد من يجيب عليها إلى حدود لحظة نشر هذا المقال.
المصدر:
العمق