هبة بريس – الرباط
جاء خطاب العرش الذي ألقاه الملك محمد السادس، مساء اليوم الأربعاء 29 يوليوز الجاري، بمناسبة الذكرى 27 ، ليؤكد مرة أخرى على عمق الرؤية الاستراتيجية التي يقود بها المغرب مساره التنموي، حيث لم يقتصر على استحضار المنجزات، بل قدم قراءة شمولية لمسار الإصلاح والتحديث، مع إبراز الأسس التي قامت عليها هذه التحولات الكبرى.
وفي هذا الإطار، شدد الخطاب على أن ما تحقق من نمو اقتصادي واجتماعي لا يمكن اختزاله في حصيلة زمن حكومي أو ولاية تشريعية بعينها، بل هو نتاج تراكمات ممتدة عبر سنوات، قامت على رؤية ملكية بعيدة المدى. ومن ثم، فإن هذا التأكيد يعكس وعيا عميقا بضرورة الاستمرارية في السياسات العمومية، بما يضمن تحقيق نتائج مستدامة تتجاوز التقلبات السياسية الظرفية.
وعلاوة على ذلك، أبرز الخطاب أهمية اعتماد منهجية قائمة على التتبع والتقييم والنقد الذاتي، باعتبارها مدخلا أساسيا لتجويد الأداء العمومي.
فبدل الاكتفاء بمنطق الإنجاز، دعا الخطاب الملكي إلى الوقوف عند مكامن الخلل وتصحيح الاختلالات، وهو ما يعكس إرادة واضحة لترسيخ حكامة مسؤولة قائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن جهة أخرى، توقف الخطاب عند التحولات الاقتصادية التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث تم تسجيل ارتفاع ملحوظ في نسب النمو، بالتوازي مع تنوع النسيج الاقتصادي الوطني.
فقد بات الاقتصاد المغربي أكثر انفتاحا وتعددا، مدفوعا بقطاعات واعدة كالصناعة والطاقات المتجددة والخدمات، الأمر الذي ساهم في تعزيز قدرته على الصمود أمام الأزمات الدولية.
وفي مقابل ذلك، لم يغفل الخطاب الإشارة إلى أهمية بث روح التفاؤل الواقعي، حيث أكد أن المسار التنموي يسير في الاتجاه الصحيح، رغم التحديات القائمة. ويعكس هذا التوازن بين الاعتراف بالإنجازات واستحضار الإكراهات، مقاربة متزنة تهدف إلى تعزيز الثقة الجماعية وتحفيز مختلف الفاعلين على مواصلة الانخراط في دينامية الإصلاح.
وبناءً عليه، يمكن اعتبار الخطاب الملكي دعوة صريحة إلى توحيد الجهود الوطنية حول مشروع تنموي متكامل، يضع المواطن في صلب الاهتمام، ويستند إلى رؤية استراتيجية واضحة المعالم، كما يؤكد في الآن ذاته أن مستقبل المغرب رهين بمدى القدرة على الاستمرار في هذا النهج القائم على التراكم، والتقييم، والانفتاح على التحولات العالمية.
وقد كرس الخطاب الملكي تصورا تنمويا يقوم على الاستمرارية والتجديد في آن واحد، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها تعزيز المكتسبات، وتدارك الاختلالات، بما يضمن تحقيق تنمية شاملة ومستدامة تستجيب لتطلعات المواطنين.
المصدر:
هبة بريس