بدأت ملامح المنافسة على الانتخابات التشريعية لسنة 2026 بإقليم خنيفرة تتضح مع شروع الأحزاب السياسية في الإعلان عن وكلاء لوائحها، في مشهد يجمع بين مرشحين راكموا تجارب انتخابية سابقة ووجوه جديدة تخوض غمار الاستحقاقات التشريعية لأول مرة، وسط بروز ظاهرة الترحال الحزبي التي أعادت رسم جزء من الخريطة السياسية بالإقليم.
وضمت قائمة المرشحين الذين سبق لهم خوض الانتخابات كلا من محمد بادو عن حزب التجمع الوطني للأحرار، ونبيل صبري عن حزب الحركة الشعبية، وحمان باحسين عن حزب الأصالة والمعاصرة، وصالح أوغبال عن حزب الاستقلال، ولحسن آيت إيشو عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وفي المقابل، برزت أسماء جديدة تدخل غمار الانتخابات التشريعية لأول مرة، من بينها يوسف بوكلو عن حزب العدالة والتنمية، ولبنى حيمي عن حزب القوى الديمقراطية، ومحمد أحباشي عن حزب الأمل، وعبد الحكيم عكور عن الحزب الديمقراطي الوطني، وحمزة ناضيري عن حزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب حسناء العسراوي عن تحالف اليسار، وهي أسماء تراهن على كسب ثقة الناخبين وإثبات حضورها في أول تجربة انتخابية تشريعية لها بالإقليم.
وبرزت ضمن المشهد الانتخابي ظاهرة الترحال الحزبي، بعدما سبق لنبيل صبري أن ترشح باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قبل التحاقه بحزب الحركة الشعبية، فيما انتقل لحسن آيت إيشو من حزب الحركة الشعبية إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. في المقابل، حافظ كل من محمد بادو على انتمائه لحزب التجمع الوطني للأحرار، وحمان باحسين لحزب الأصالة والمعاصرة، وصالح أوغبال لحزب الاستقلال.
وفي تصريحه لجريدة “العمق”، أكد الدكتور رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية ورئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث، أن الترحال الحزبي في المغرب يشكل ظاهرة بنيوية تتجدد مع كل استحقاق انتخابي، ولم يعد مرتبطا فقط بالخلافات الإيديولوجية أو التنظيمية، بل أصبح في كثير من الحالات رهانا على تعزيز فرص الفوز داخل الأحزاب الأكثر قدرة على المنافسة.
وأضاف لزرق أن الكفاءات والأعيان والمنتخبين أصبحوا محل تنافس بين الأحزاب، بما يعيد رسم موازين القوى قبل الاقتراع، غير أن هذا السلوك، رغم ما قد يحققه لبعض الأحزاب من مكاسب انتخابية سريعة، يضعف مبدأ الانتماء الحزبي ويكرس صورة مفادها أن الولاء للفرص الانتخابية يتقدم على الالتزام بالمشروع السياسي، وهو ما ينعكس سلبا على ثقة الناخبين في الأحزاب وفي مصداقية التمثيل السياسي.
وأوضح أن الترحال الحزبي قد يساهم، في أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، في إعادة تشكيل الخريطة السياسية أكثر مما سيغير التوازنات المجتمعية الحقيقية، مبرزا أن استقطاب الشخصيات ذات الامتداد المحلي أو الوطني قد يمنح بعض الأحزاب أفضلية تنظيمية وانتخابية، لكنه لا يضمن بالضرورة توسيع قاعدتها الشعبية إذا لم يقترن ببرنامج سياسي واضح وقدرة على إقناع الناخبين.
وختم لزرق تصريحه بالتأكيد على أن نتائج هذه الاستقطابات ستظل رهينة بمدى نجاح الأحزاب في تحويل الرصيد الشخصي للوافدين الجدد إلى رأسمال سياسي جماعي، معتبرا أن الناخب المغربي أصبح أكثر ميلا إلى تقييم الأداء والإنجازات، أكثر من مجرد متابعة انتقالات الفاعلين بين الأحزاب.
من جانبه، قال المحلل السياسي رضوان جخا، في تصريح لجريدة “العمق”، إن المشهد الانتخابي بإقليم خنيفرة يعكس ما تعرفه دوائر انتخابية أخرى بالمغرب، حيث تتقاطع خبرة المرشحين الذين راكموا تجارب انتخابية مع طموح وجوه جديدة تسعى إلى فرض حضورها، معتبرا أن التجربة السياسية والخبرة الانتخابية تمنح أفضلية نسبية للمرشحين المخضرمين، وهو ما يجعل المنافسة أكثر صعوبة بالنسبة للشباب.
وأشار جخا إلى أن الدولة اتخذت إجراءات مهمة لتشجيع المشاركة السياسية للشباب والنساء، من بينها دعم نسبة كبيرة من مصاريف الحملات الانتخابية للشباب دون 35 سنة، غير أنه يرى أن الأحزاب مطالبة بمنح الشباب فرصا أكبر للترشح في الدوائر المحلية، مؤكدا أن نجاح أي استحقاق انتخابي يظل مرتبطا أيضا بارتفاع نسبة المشاركة في التصويت.
وبخصوص الترحال الحزبي، اعتبر جخا أنه تحول من حالات محدودة خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي إلى ظاهرة سياسية تتكرر مع كل موعد انتخابي، سواء تعلق الأمر بالانتخابات التشريعية أو الجهوية أو الجماعية، محذرا من أن الترحال الحزبي، خاصة عندما يتم بين أحزاب متباينة في مرجعياتها وتوجهاتها، قد ينعكس سلبا على ثقة المواطنين في الفعل السياسي، ويعمق حالة العزوف عن المشاركة في الانتخابات.
وأضاف أن المجتمع المدني يواصل جهوده لحث الشباب والشابات على الانخراط في الحياة السياسية من أجل إفراز نخب جديدة، غير أن الأحزاب السياسية مطالبة بدورها بجعل رفع نسب المشاركة الانتخابية ضمن أولوياتها خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح جخا أن التجارب الانتخابية، خصوصا في عدد من الأقاليم، أظهرت أن الناخب يصوت في كثير من الأحيان للشخص أكثر من الحزب، وهو ما يفسر احتفاظ بعض المرشحين بحضورهم الانتخابي رغم تغيير انتماءاتهم السياسية، مشيرا إلى أن الاعتبارات الشخصية والعائلية والقبلية ما تزال مؤثرة في عدد من المناطق، في وقت تتشابه فيه برامج الأحزاب الانتخابية في العديد من القضايا.
وعن أسباب الترحال الحزبي، اعتبر جخا أن البحث عن ضمان مقعد انتخابي يظل الدافع الأبرز وراء انتقال عدد من المنتخبين بين الأحزاب، مبرزا أن تشابه البرامج وضعف التمايز الإيديولوجي، إلى جانب التحالفات الحكومية التي تجمع أحزابا من توجهات مختلفة، كلها عوامل عززت الطابع البراغماتي للعمل الحزبي وأسهمت في تزايد هذه الظاهرة مع اقتراب كل استحقاق انتخابي.
ويرتقب أن تشهد الحملة الانتخابية بإقليم خنيفرة منافسة بين مرشحين يعولون على رصيدهم الانتخابي وتجربتهم السابقة، وآخرين يراهنون على تقديم أنفسهم كبديل جديد، في انتظار الإعلان الرسمي عن اللوائح النهائية واعتمادها من قبل السلطات المختصة، وما ستكشف عنه صناديق الاقتراع من ملامح الخريطة السياسية المقبلة بالإقليم.
المصدر:
العمق