قال محمد لغروس، مدير نشر جريدة “العمق المغربي”، إن “البودكاست” لم يعد مجرد “موضة إعلامية عابرة”، بل أصبح فضاء جديدا من فضاءات التعبير، فرض حضوره في سياق التحولات التكنولوجية وتراجع الثقة في عدد من وسائل الإعلام التقليدية.
وأوضح لغروس، خلال ندوة نظمتها جريدة “الشعاع الجديد” حول موضوع “البودكاست في المغرب: موضة إعلامية أم رافعة لتخليق النقاش العمومي الرقمي؟”، أن هذه الصيغة الرقمية أتاحت مساحات أوسع للتعبير والتفاعل، لكنها لا يمكن أن تنفصل عن النقاش المتعلق بالحرية والمسؤولية المهنية.
واعتبر المتحدث أن العلاقة بين الحرية والاستبداد ظلت حاضرة في مختلف مراحل تطور وسائل الإعلام، مضيفا أن الاستبداد يسعى، كلما استطاع، إلى خنق مساحات التعبير، بينما تظل الحرية قادرة على إيجاد منافذ جديدة كلما أُغلق أمامها مجال من المجالات.
وقال لغروس إن “الاستبداد عدو للحرية، والحرية بطبيعتها متفلتة؛ فكلما جرى إغلاق منفذ أمامها ظهرت من جهة أخرى”، معتبرا أن البودكاست يمثل أحد النماذج الحديثة لهذا التحول، خاصة في ظل الطابع العالمي للمنصات الرقمية وصعوبة إخضاعها للحدود التقليدية.
وشدد مدير نشر “العمق المغربي” على أن انتقال الصحافي إلى البودكاست لا يعفيه من قواعد المهنة وأخلاقياتها، مؤكدا أن طبيعة الوسيلة لا تغير توصيف الممارسات المخالفة، إذ “يبقى السب سبا، والقذف قذفا، والتشهير تشهيرا، والابتزاز ابتزازا”، سواء صدر ذلك في صحيفة أو إذاعة أو برنامج رقمي.
وأضاف أن الحرية التي تمنحها المنصات للوصول إلى جمهور واسع يجب أن تظل مرتبطة بالمسؤولية، موضحا أن الصحافي مطالب، داخل البودكاست كما في باقي الأجناس الصحفية، باحترام الدقة والصدق، وتجنب الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة والتشهير والقذف.
وسجل لغروس أن الساحة الإعلامية المغربية تعرف تعددا من حيث العدد، لكن هذا التعدد لا ينعكس بالقدر نفسه على مستوى المضامين والأفكار والخطوط التحريرية، معتبرا أن النقاش العمومي لا يزال في حاجة إلى أصوات وزوايا مختلفة، تتيح للجمهور الاطلاع على المعلومة والرأي والرأي المضاد.
وفي هذا السياق، حذر المتحدث من الخلط بين الصحافي والفاعل السياسي، خاصة حين يتحول تقديم المعلومة أو تحليلها إلى اصطفاف مباشر مع طرف ضد آخر، مشيرا إلى أن التعبير عن الرأي يظل مشروعا في أجناس الرأي والتعليق، شرط أن يكون مؤسسا على الحجة والمعطيات، وألا يتحول إلى دعاية أو خصومة شخصية.
وأكد لغروس أن ظهور البودكاست لا يعني نهاية وسائل الإعلام الأخرى، مشيرا إلى أن التلفزيون لم يقض على الإذاعة، كما لم تُلغ الصحافة الإلكترونية الصحافة المكتوبة أو وكالات الأنباء. وأضاف أن لكل وسيلة وظائفها، شريطة أن تواكب التحولات وتبحث عن عناصر تميزها.
وأوضح أن الصحافة الورقية، على سبيل المثال، لا يمكنها منافسة المواقع الرقمية في سرعة نشر الأخبار، لكنها تستطيع الحفاظ على مكانتها من خلال التحقيقات والتقارير والملفات والتحليلات المعمقة.
ولفت مدير نشر “العمق” إلى أن أهم التحولات التي أحدثتها المنصات الرقمية تتمثل في إنهاء العلاقة الأحادية بين المرسل والمتلقي، إذ أصبح الجمهور قادرا على التعليق والاعتراض والتبليغ والتفاعل، ولم يعد مجرد متلق سلبي للمضمون.
غير أن لغروس شدد على أن البودكاست ليس، في حد ذاته، رافعة للوعي أو لتخليق النقاش العمومي، لأن قيمته ترتبط بالمضمون الذي يقدمه وبهوية المتحدثين فيه، قائلا إن “ليس كل من فتح ميكروفونا وشاشة يسعى إلى الارتقاء بالنقاش أو بذوق الجمهور”.
وخلص إلى أن الارتقاء بالنقاش العمومي لا يمكن تحميله للبودكاست وحده، بل يرتبط بمنظومة متكاملة تشمل المدرسة والأسرة والإعلام وباقي مؤسسات التنشئة الاجتماعية، مؤكدا أن المنصة تظل مجرد وسيلة يمكن توظيفها في التثقيف والتنوير والدفاع عن الديمقراطية والشفافية والمحاسبة، كما يمكن استخدامها في الاتجاه المعاكس.
المصدر:
العمق