آخر الأخبار

نقاش التقسيم الانتخابي بالمغرب يجدد دعوات موازنة الديمغرافي والجغرافي

شارك

مع اقتراب الاستحقاق التشريعي لـ23 شتنبر المقبل تعود إلى الواجهة إشكالية “التقسيم الانتخابي” متبوئة صدارة النقاش السياسي والدستوري في المغرب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، باعتبارها ركنا أساسيا لمشروعية التمثيل الديمقراطي ومبدأ المساواة بين المواطنين.

يطرح هذا الملف تحديا يكمن في كيفية المواءمة بين التحولات الديمغرافية المتسارعة التي كشف عنها الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 المتمثلة في التوسع الحضري الهائل والهجرة الداخلية (التمدن) وبين “خريطة انتخابية” يرى جانب من الفقه الدستوري والسياسي أنها ما زالت محكومة برواسب وتصورات “متجاوَزة” تستدعي مراجعة شاملة لتواكب روح دستور 2011 وخياره الديمقراطي، كثابتٍ وطني.

التوفيق بين الديمغرافي والترابي

رضوان اعميمي، أستاذ القانون العام في جامعة محمد الخامس بالرباط، قال إن “النقاش حول التقسيم الانتخابي ينبغي ألا يُختزل في إعادة توزيع المقاعد البرلمانية، وإنما يتعلق بأحد أهم مقومات الشرعية الديمقراطية؛ وهو ضمان المساواة بين المواطنين في القيمة القانونية للصوت الانتخابي. فكلما اتسعت الفوارق بين الوزن الديمغرافي للدوائر وعدد المقاعد المخصصة لها، أثيرت مسألة مدى احترام مبدأ الإنصاف في التمثيل.

بعد أن استحضر اعميمي، في تصريح لجريدة هسبريس، التحولات الديمغرافية التي عرفها المغرب خلال العقدين الأخيرَيْن – والتي أثبتتْها بالأرقام نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024- أفرزت واقعا جديدا يتمثل في النمو المتسارع للمدن الكبرى، وامتداد الضواحي، وتزايد الهجرة الداخلية، مقابل “استقرار” أو “تراجع” عدد السكان في عدد من الأقاليم، عدَّ أنه “من الطبيعي أن يفرض هذا الواقع مراجعة دورية للخريطة الانتخابية حتى تظل منسجمة مع التطور الديمغرافي والمجالي”؛ غير أن الأمر “لا يتعلق بتطبيق معيار ديمغرافي صرف”، لأن الدستور المغربي يقوم كذلك على مبدأ التضامن المجالي والعدالة الترابية.

وقال أستاذ القانون العام إن “المجالات القروية والجبلية والصحراوية تعاني من إكراهات موضوعية مرتبطة باتساع الرقعة الجغرافية، وضعف الكثافة السكانية، وصعوبة الولوج إلى الخدمات؛ وهو ما يبرر عدم إخضاعها لمنطق الحساب العددي المحض، حتى لا تتحول إلى “مجالات ضعيفة التمثيل” داخل المؤسسة التشريعية.

لذلك، أردف اعميمي، فالتحدي الحقيقي يتمثل في “تحقيق التوازن بين مبدأين دستوريين متكاملين”: من جهة، مبدأ المساواة في وزن الصوت الانتخابي، ومن جهة أخرى، مبدأ العدالة المجالية الذي يضمن حضور مختلف المجالات الترابية داخل البرلمان. فينبغي ألا تُختزل الديمقراطية في معيار السكان وحده، كما ينبغي لا يؤدي الاعتداد بالخصوصية الترابية إلى تفاوتات كبيرة تمس بمبدأ تكافؤ الأصوات.

وأجمل المصرح لهسبريس أن “الحاجة باتت ملحة إلى إرساء آلية قانونية مستقرة وشفافة لمراجعة التقسيم الانتخابي بشكل دوري، ترتبط بالمعطيات الرسمية للإحصاء العام للسكان والسكن”، داعيا إلى “اعتماد هامش معقول يراعي الخصوصيات الترابية”. كما يمكن التفكير في “إسناد الجوانب التقنية لهذه العملية إلى هيئة أو لجنة وطنية متعددة التخصصات”، تضم خبراء في القانون الدستوري والإحصاء والجغرافيا والعلوم السياسية، بما يضمن، وفقه، “تحييد” هذا الورش عن التجاذبات السياسية ويكرس الثقة في العملية الانتخابية.

وختم بتأكيده أن “إصلاح التقسيم الانتخابي” ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره ورشا مؤسساتيا يروم تعزيز جودة التمثيل الديمقراطي، وليس مجرد إعادة هندسة للخريطة الانتخابية قبل كل استحقاق. فكلما كان التقسيم قائما على معايير موضوعية وشفافة، وقادرا على التوفيق بين المتغيّر الديمغرافي والعدالة الترابية، كلما أسهم في ترسيخ مصداقية المؤسسات المنتخبة وتعزيز الثقة في المسار الديمقراطي.

“مبدأ العدالة التناسبية”

من جانبه أكد عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن التقطيع الانتخابي المعتمد حاليا في المغرب “بات يتناقض بوضوح” مع الاختيار الديمقراطي الذي نص عليه دستور 2011 وجعله من الثوابت الجامعة للدولة، إذ إن هذا التقسيم ينتمي في فلسفته وعقليته إلى مرحلة ما قبل 2011، ويمتد في جذوره إلى حقبة التسعينيات؛ “مما يستدعي مراجعته الشاملة ليلائم التطور الدستوري والسياسي للبلاد”.

وتظهر الإشكالية العميقة، وفق ما أبرزه العلام متحدثا لهسبريس عن الموضوع، في “غياب التناسب المباشر” المتعلق بالمعيار السكاني و”وزن الصوت الانتخابي”.

وزاد الأستاذ الجامعي المختص في القانون الدستوري وعلم السياسة شارحا: “في الوقت الذي تعتمد فيه تجارب عالمية نسبة محددة تمثل عدد السكان بوضوح كمنح مقعد نيابي لكل أربعمائة ألف مواطن مثلا، نجد في المؤسسة التشريعية الوطنية تفاوتا غير منطقي بين منتخب يمثل ما بين ستين إلى سبعين ألف ناخب، وآخر يحصل على المقعد بنحو ألفي صوت فقط؛ وهو “ما ينسف مبدأ العدالة التناسبية”.

وأوضح المصرح عينه أن “الاختلالات تمتد إلى المزج غير المتجانس بين القرى والمدن داخل الدائرة الانتخابية الواحدة، حيث يُعتمد تقطيع يُشبه “قطعة الجبن” يربط رأسا حضريا ضيقا داخل المدينة بقاعدة قروية شاسعة في المحيط، كما هو حاصل في مدن كبرى (مثل مراكش وطنجة)، بَدَلَ إفراد الدوائر الحضرية عن نظيراتها القروية لتحقيق التجانس في المجال الترابي.

وحسب أستاذ القانون الدستوري، فهذا الوضع “يفرض على المُرشح القيام بحملات انتخابية متناقضة بين وسط المدينة وجماعات قروية تبعد أربعين أو خمسين كيلومترا لا يعرفه قاطنوها.. ومع ظاهرة ‘العزوف الانتخابي’ المرتفعة في المدن، لفت إلى تركيز المرشحين على حشد الأصوات في بضع جماعات قروية؛ وهو ما يؤدي عمليا إلى ظاهرة “ترييف البرلمان” وتمثيل سكان المدن من قبل منتخبين ترتكز قواعدهم الانتخابية بالكامل في الأرياف”.

وخلص العلام إلى أن “إعادة النظر في منظومة التقسيم الانتخابي برمتها باتت واجبة؛ لتستند إلى معايير وسط الإقامة والتجانس الترابي والعدالة الديمغرافية، وتجاوز المقاربات القديمة المتجاوزة بعد دستور 2011؛ وذلك بغية فرز خريطة تشريعية ونيابية تعبر بدقة عن الإرادة الشعبية وتكرس الخيار الديمقراطي الدستوري”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا