آخر الأخبار

العتّاقة في تدارت–أنزا.. الحكامة قبل مطاردة "الخطافة"

شارك

العتّاقة في تدارت–أنزا، الحكامة قبل مطاردة “الخطافة”
حينما يصبح إصلاح حكامة النقل شرطًا لتطبيق القانون وضمان سلامة المواطنين

بقلم الدكتور جمال العزيز

في مقال سابق، تناولت أزمة التنقل الحضري بأكادير الكبير من زاوية الحكامة وحدود الإختصاصات بين مختلف المتدخلين، مؤكدا أن هذا الورش الإستراتيجي، يتطلب رؤية متكاملة تقوم على التخطيط، والتنسيق المؤسساتي، وربط المسؤولية بالمحاسبة. واليوم، تفرض منطقة تدارت–أنزا نفسها كنموذج ميداني يعكس جانبا من هذه الإشكالية، بعدما أصبح النقل غير القانوني، أو ما اصطلح عليه داخل قبة البرلمان بـ”العتَّاقة” أو “الخطافة”، محور نقاش واسع بين المواطنين والفاعلين.

ومن باب الإنصاف، لا بد من الإشادة بالمبادرة التي أطلقتها السلطات الولائية خلال الأيام الأخيرة، والتي اعتمدت مقاربة تشاركية جمعت مختلف المتدخلين في قطاع النقل، من سلطات محلية، ومصالح أمنية، ومهنيي النقل، و جماعة أكادير، ومجموعة الجماعات الترابية للنقل والتنقل أكادير الكبير، قصد إيجاد حلول عملية لهذا الإشكال. وقد أسفرت هذه المبادرة عن تعزيز خطوط النقل الحضري بالحافلات وإحداث محطة لسيارات الأجرة بمنطقة تدارت–أنزا، وهي خطوة تعكس سرعة التفاعل مع انتظارات الساكنة، وتؤكد أن تدبير قضايا التنقل لا يمكن أن يتم إلا بتكامل الأدوار بين مختلف المؤسسات.

تمثل هاته المبادرة بلا شك بداية إيجابية ينبغي مواكبتها بالتقييم المستمر والتطوير المتواصل.

وفي المقابل، فإن استمرار نشاط “العتَّاقة” لا يمكن اختزاله في كونه مجرد مخالفة قانونية تستوجب الزجر والعقاب، رغم أن احترام القانون يظل مبدأ لا نقاش فيه، لأن الدولة لا يمكن أن تتسامح مع أي نشاط يشتغل خارج الإطار القانوني، خاصة عندما يتعلق الأمر بسلامة المواطنين وأمنهم الطرقي. فالكثير من المركبات المستعملة في هذا النشاط لا تخضع للمعايير المهنية المطلوبة، وبعضها تم تحويله للعمل باستعمال غاز البوتان بطرق غير مطابقة للضوابط التقنية، وهو ما كان ولازال يشكل خطرا حقيقيا على أرواح الركاب ومستعملي الطريق.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الإقتصار على المقاربة الزجرية لا يؤدي وحده إلى القضاء على النقل غير القانوني، لأن هذا النوع من الظواهر ينمو غالبا في الفراغ الذي يتركه عدم كفاية العرض القانوني أو عدم ملاءمته للحاجيات الفعلية للمواطنين. ولذلك، فإن إنفاذ القانون يحقق أفضل نتائجه عندما يواكبه تطوير مستمر لخدمات النقل العمومي، وتحسين جودة الخدمة، وتقليص زمن الإنتظار، وضمان الربط بين مختلف الأحياء ومراكز النشاط الإقتصادي والإجتماعي.

إن الحكامة الرشيدة اليوم تتمثل في الجمع بين تطبيق القانون وتطوير النقل العمومي داخل رؤية واحدة . فلا يمكن مطالبة المواطن بالإبتعاد عن النقل غير القانوني دون توفير بديل قانوني قادر على الإستجابة لاحتياجاته اليومية ،والإنتظام ، والتسعيرة المناسبة.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لمجموعة الجماعات الترابية للنقل والتنقل أكادير الكبير باعتبارها بداي تجربة مؤسساتية ، تضطلع بمسؤولية التخطيط والتنسيق بين مختلف الجماعات الترابية من أجل بناء منظومة نقل حضري أكثر تكاملا ونجاعة. فنجاح هذه التجربة رهين بالإستجابة الدينامية لمتطلبات الساكنة، واعتماد حلول مبتكرة تجعل النقل العمومي أكثر جاذبية وفعالية.

كما أن نجاح المبادرة الولائية الأخيرة ينبغي أن يشكل منطلقا لترسيخ ثقافة التدبير التشاركي، حيث يتقاسم جميع المتدخلين مسؤولية البحث عن حلول واقعية ومستدامة، بعيدا عن منطق تبادل المسؤوليات أو المعالجات الإستثنائية .

إن تدارت–أنزا، تعرف توسعا عمرانيا متسارعا ؛ مما يتطلب إنجاح جميع المبادرات المؤسساتية لصون كرامة المواطن ، والتفكير في تحويل العتاقة إلى سائقين مهنيين (تراخيص النقل المزدوج كمرحلة انتقالية) ، وتصحيح الإختلالات كلما ظهرت.

إن الحكامة الرشيدة تتحقق بصناعة الظروف التي تجعل القانون قابلا للتطبيق، ومقبول اجتماعيا، ومحققا للمصلحة العامة.

وعندما تلتقي إرادة الدولة مع التنسيق المؤسساتي، والبدائل الواقعية، يصبح إصلاح النقل الحضري مشروعا تنمويا يعزز جودة الحياة، ويرسخ الثقة في المؤسسات، ويواكب الطموح الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله لبناء مدن مغربية أكثر استدامة، وأكثر إنصافا.

هبة بريس المصدر: هبة بريس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا