عمر المزين – كود///
قال عبد الرزاق الهيري، مدير المختبر المتعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، إن المندوبية السامية للتخطيط كشفت في لمحتها الظرفية ليوليوز 2026 أن الاقتصاد الوطني أبدى قدرة لافتة على الصمود خلال النصف الأول من السنة الجارية، محققًا معدل نمو بلغ 4.7 في المائة، وذلك رغم بيئة دولية مثقلة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة واستمرار حالة عدم اليقين التجاري.
وأضاف الهيري، في تصريحات لـ”كود”، أن التقرير أبرز كذلك تمكن الاقتصاد المغربي من الحفاظ على وتيرة نمو مرتفعة نسبيًا رغم التوترات الجيوسياسية واضطراب التجارة العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، وتوقع أن يصل النمو إلى 4.8 في المائة خلال الفصل الثاني، قبل أن يتسارع إلى حوالي 5.4 في المائة خلال الفصل الثالث من سنة 2026.
وأوضح أن التقرير يعزو هذا الأداء أساسًا إلى تعافي ملموس للنشاط الفلاحي، الذي استفاد من ظروف مناخية ملائمة خلال الموسم الفلاحي الحالي، إلى جانب متانة قطاع الخدمات الذي واصل الاستفادة من دينامية السياحة وتحسن الاستهلاك الداخلي. وأضاف أن القيمة المضافة الفلاحية سجلت ارتفاعًا بنسبة 20.5 في المائة في الفصل الثاني، وهو ما رفع مساهمتها في النمو الإجمالي إلى 2.1 نقطة.
وأشار إلى أن الطلب الداخلي ظل المحرك الرئيسي للتوسع الاقتصادي، مستفيدًا من تحسن استهلاك الأسر في أعقاب ارتفاع المداخيل في الوسط القروي، ومن استمرار السياسة النقدية التيسيرية التي حافظ بموجبها بنك المغرب على سعره الرئيسي عند 2.25 في المائة دون تغيير منذ خمس مرات متتالية.
وأضاف أنه رغم هذه النبرة التفاؤلية العامة، فإن قراءة متأنية لمعطيات التقرير تكشف عن عدد من نقاط الهشاشة، موضحًا أن النمو المعلن بنسبة 4.7 في المائة يعود بشكل كبير إلى انتعاش ظرفي للقطاع الفلاحي مرتبط أساسًا بعامل مناخي عابر يتمثل في توزيع مطري جيد، وليس إلى تحول هيكلي في نموذج النمو.
وأردف الخبير الاقتصادي، في ذات التصريح، أنه حين تُستثنى القيمة المضافة الفلاحية من الحساب، يتراجع نمو الأنشطة غير الفلاحية إلى مستويات أكثر تواضعًا، وهو ما يعيد إلى الواجهة إشكالية استمرار اقتصاد وطني رهين تقلبات المناخ.
وقال إن تفاقم العجز التجاري وتراجع معدل التغطية لا يعكسان فقط أثر ارتفاع فاتورة الطاقة، بل يكشفان أيضًا عن ضعف تنافسية الجهاز الإنتاجي الوطني في تعويض الواردات، خصوصًا في القطاعات كثيفة التكنولوجيا.
وأضاف أن التقرير يبني سيناريو استقرار التضخم عند 1.2 في المائة على فرضية استقرار سعر برميل النفط عند 85 دولارا، وهي فرضية مرتبطة بشكل مباشر بتطور الأزمة الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن أي تصعيد إضافي في هذا الملف من شأنه أن يقلب هذا السيناريو بالكامل، وهو ما يجعل من “استقرار الأسعار” توقعًا هشًا أكثر منه معطى مكتسبًا، رغم إيراده في صيغة تقريرية تكاد تخلو من التحفظ.
كما قال الهيري الأستاذ الجامعي بفاس إن اعتماد منهجية جديدة للبحث حول اليد العاملة بدل البحث الوطني السابق، مع توسيع حجم العينة وتحيين المفاهيم، يجعل من الصعب إجراء مقارنات تاريخية دقيقة بين معدلات البطالة قبل وبعد هذا التحول المنهجي.
وتساءل: “فهل التحسن الظاهر في بعض المؤشرات يعكس تحسنًا حقيقيًا في سوق الشغل أم هو نتاج جزئي لتغيير أداة القياس ذاتها؟”، مضيفًا أن التقرير لا يقدم عناصر كافية للفصل بين الأثرين، وهي نقطة منهجية تستحق مزيدًا من الشفافية من الجهة المصدرة للمعطيات.
وأضاف أن كون وتيرة نمو النفقات العادية تفوق بشكل واضح وتيرة نمو المداخيل يطرح سؤال استدامة المالية العمومية على المدى المتوسط، خاصة أن التقرير يشير إلى تمويل الخزينة “بالكامل عبر السوق الداخلية”، ما يعني ضغطًا متزايدًا على السيولة البنكية المحلية وعلى القروض الموجهة للقطاع الخاص، في وقت تحتاج فيه المقاولات إلى تمويل ميسر لدعم دينامية الاستثمار التي يبرزها التقرير نفسه كعامل داعم للنمو.
وخلص إلى أن التقرير الرسمي يعتبر أن ميزان المخاطر لا يزال يميل نحو الجانب السلبي بفعل التوترات الجيوسياسية الدولية، غير أن القراءة النقدية تضيف بُعدًا آخر، يتمثل في أن صمود الاقتصاد المغربي في النصف الأول من سنة 2026 يبقى مشروطا ليس فقط بتطور الظرفية الدولية، بل أيضا بمعالجة هشاشات بنيوية داخلية، تشمل تبعية النمو للفلاحة وتقلبات المناخ، وضعف تنافسية الصادرات الصناعية، واتساع الفجوة بين النفقات والمداخيل العموميتين، وغياب قراءة توزيعية للنمو.
وأكد أن الأرقام الإيجابية المعلنة، وإن كانت صحيحة إحصائيًا، لا تعفي من التساؤل حول متانة واستدامة هذا النمو خارج الظروف الاستثنائية، والمتمثلة في موسم فلاحي جيد وسياسة نقدية تيسيرية، التي أنتجته.
المصدر:
كود