أكد أحمدو مصطفى ندياي، المدير الإقليمي لمجموعة البنك الدولي للدول المغاربية ومالطا، بمناسبة تقديم إطار الشراكة الاستراتيجية الجديد بين المغرب ومجموعة البنك الدولي في لقاء مع وسائل الإعلام، اليوم الخميس، أن الشراكة سالفة الذكر جاءت بعد تحقيق “طفرة تنموية حقيقية” وتقدم “ملموس على مدى العقدين الماضيين؛ “وهو ما تترجمه لغة الأرقام بوضوح”.
وأعلن ندياي، ضمن اللقاء ذاته، أن الوعاء المالي المرصود من البنك الدولي للمشاريع العمومية يبلغ 15 مليار دولار أمريكي، بمعدل سنوي تقريبي يتراوح بين 1,7 مليارات و1,8 مليارات دولار، مع الحفاظ على مرونة تامة لتكييف هذا التمويل الاسترشادي وفق الاحتياجات المتغيرة، مدعوما بـ”محفظة استثمارات قائمة حاليا تبلغ 9 مليارات دولار كالتزامات مالية للمشاريع الجارية”.
وأكد المدير الإقليمي لمجموعة البنك الدولي للدول المغاربية ومالطا، ضمن اللقاء الذي حضرته جريدة هسبريس الإلكترونية بمكتب المؤسسة المالية الدولية بالرباط، أن إطار الشراكة الجديد (CPF) يستهدف “طموحا جديدا” بعد تجاوز المغرب للمتوسط المسجل في الدول ذات الدخل المتوسط من الشريحة الدنيا، ساعيا إلى أن يكون ضمن مصاف الدول “ذات الدخل الفردي المتوسط من الشريحة العليا”.
وبعدما استدل بنمو حركة التجارة الخارجية للمملكة مع ارتفاع الصادرات بنسبة 320 في المائة، وتزايد الانفتاح التجاري ليصل إلى 37 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي وقفزة استثنائية بارتقائها في مؤشر الأداء اللوجستي العالمي من المرتبة الـ109 إلى المرتبة الـ22، قال ندياي إنها “إنجازات يفتخر البنك الدولي بمواكبتها، مشيرا إلى أن المغرب نجح إلى حد كبير في معالجة إشكالية الولوج إلى الخدمات الأساسية، لتنتقل الأولويات اليوم إلى تحسين جودة هذه الخدمات وتطويرها”.
أوضح ندياي، متفاعلا مع ممثلي وسائل الإعلام، أن “الرؤية المستقبلية للشراكة الجديدة تتناغم بالكامل مع طموحات النموذج التنموي الجديد للمملكة في أفق عام 2035، والذي يهدف إلى مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للفرد، ورفع نسبة تشغيل النساء إلى 45 في المائة، وتعميم الهيكلة القانونية لمناصب الشغل لتصل إلى 80 في المائة”.
في سياق متصل بالتغيرات الحكومية المرتقبة بعد إجراء انتخابات 23 شتنبر 2026، ردا على سؤال طرحته هسبريس، أكد المدير الإقليمي لمجموعة البنك الدولي للدول المغاربية ومالطا أن “ميزة المغرب تكمن في استقرار خياراته الاستراتيجية المحددة في النموذج التنموي الجديد الممتد على مدى عشر سنوات؛ وهو ما يتجاوز الآجال السياسية لثلاث حكومات متعاقبة، ويمنح الشراكة أمانا واستقرارا كبيرين”.
وشدد المسؤول عينه على أن البنك الدولي “سيعمل بمرونة وفعالية مع أي فريق حكومي مقبل، لضمان مواءمة برنامج العمل السنوي مع الأولويات الوطنية المتجددة، لا سيما الاستراتيجيات القطاعية الحيوية مثل المخطط الوطني للماء، ومواصلة الحوار المستمر مع جميع الفاعلين لتقييم النتائج وتحقيق الأثر المنشود”.
لتحقيق هذه الطموحات، حدد البنك الدولي ثلاثة تحديات رئيسية مترابطة يتعيّن العمل عليها بتنسيق وثيق مع الحكومة المغربية؛ يكمن التحدي الأول في نموذج النمو الحالي الذي ما زال يعتمد بشكل مفرط على الاستثمار العمومي ذي المردودية المتراجعة، في وقت لم يضطلع فيه القطاع الخاص بعد بدوره كاملا كمحرك رئيسي للنمو. ويتمثل التحدي الثاني في المعيقات الهيكلية التي تكبح دينامية المقاولات الخاصة؛ بما في ذلك هيمنة المؤسسات العمومية، والتشتت التنظيمي، وعدم تكافؤ فرص الحصول على التمويل، لاسيما بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا. أما التحدي الثالث فيرتبط بنتائج سوق الشغل، حيث لا يزال معدل بطالة الشباب مستقرا عند حدود 37 في المائة؛ بينما لا تتجاوز نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل 19 في المائة، فضلا عن “الفوارق المجالية والترابية القائمة”.
وللانتقال بالمغرب إلى مصاف الدول ذات الدخل الفردي المتوسط من الشريحة العليا، أشار ندياي إلى “المحددات الثلاثة” الواردة في تقرير التنمية العالمي لعام 2024، مبرزا أن “المغرب نجح باقتدار في تفعيل المحدد الأول المتمثل في الاستثمار العمومي والبنية التحتية، كما حقق نجاحا متوسطا في المحدد الثاني المتعلق بنقل واستيعاب التكنولوجيا في قطاعات واعدة مثل الطيران والسيارات”؛ غير أن “الرهان الأكبر “يظل متمثلا في المحدد الثالث وهو الابتكار القائم على البحث والتطوير، مما يفرض التحول من شعار “صُنع في المغرب” إلى شعار “صُمم في المغرب”؛ ما يسعى الإطار الجديد للشراكة إلى تحقيقه بالتعاون مع المملكة.
وبخصوص المخاطر والقدرة على الصمود، طمأن ندياي بامتلاك المغرب “لقدرات مؤسساتية ومرونة عالية في تدبير المخاطر الماكرو-اقتصادية”، مؤكدا أن هذا التميز المؤسساتي مكّن المملكة من امتصاص الصدمات المتتالية الناتجة عن أزمات جائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، دون المساس بآفاق النمو المستدام”.
من جانبه أوضح ديفيد تينيل، الممثل الإقليمي لمؤسسة التمويل الدولية (IFC) في منطقة المغرب الكبير، أن الهدف المركزي والأسمى لإطار الشراكة الاستراتيجية الجديد يتجسد في “خلق المزيد من فرص العمل اللائقة وذات الجودة العالية لجميع المغاربة”، معتمدا في ذلك على “دور محوري للقطاع الخاص يتوزع على ثلاث مجموعات أساسية من النتائج المبتغاة خلال السنوات العشر المقبلة”.
وتتعلق المجموعة الأولى بـ”تمكين المقاولات الخاصة من الارتقاء بتنافسيتها وإنتاجيتها وقدرتها على الابتكار، من خلال توفير تمويلات نوعية تستهدف بالخصوص المقاولات الصغرى والمتوسطة، مع التركيز على المقاولات التي تديرها أو تملكها النساء لتشجيعهن على الاستثمار والتطوير في قطاعات حيوية متعددة تشمل الطاقة، والبنية التحتية، والصحة، والصناعات الغذائية، والسياحة”.
وأضاف المسؤول ذاته أن “المجموعة الثانية من النتائج تركز على تنمية مجالات ترابية أكثر دمجا وترابطا وقدرة على الصمود في وجه التغيرات المناخية، وذلك عبر كسر حصر الدينامية الاقتصادية في محور الدار البيضاء-طنجة، وتوجيه الجهود لربط مختلف الجهات بالأسواق وسلاسل القيمة العالمية، وتعزيز الأمن المائي عبر مشاريع تحلية المياه، ودعم الفلاحة المستدامة من خلال مبادرة “AGRI CONNECT” النموذجية، إلى جانب تمويل الجماعات الترابية والمدن بشكل مباشر ودون الحاجة إلى ضمانات حكومية لتطوير الخدمات البلدية.
وفيما يخص المجموعة الثالثة، فإن التركيز ينصب على تعزيز الرأسمال البشري من خلال إيجاد ملاءمة دقيقة بين منظومة التكوين المهني والتقني واحتياجات سوق الشغل الفعلية بالشراكة مع أرباب العمل، علاوة على توسيع التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، ورفع المشاركة الاقتصادية للمرأة التي لا تزال ضعيفة عند حدود 20 في المائة.
المصدر:
هسبريس