واصل الاقتصاد الوطني تسجيل مؤشرات إيجابية خلال بداية سنة 2026، بعدما تمكن من الحفاظ على وتيرة نمو متماسكة رغم استمرار الضغوط الخارجية وتوالي الصدمات الدولية. وتشير أحدث التوقعات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الناتج الداخلي الإجمالي سيحقق نمواً بنسبة 4.8 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، قبل أن يتسارع إلى 5.4 في المائة خلال الفصل الثالث، مدفوعاً بتحسن أداء القطاع الفلاحي، وصمود الأنشطة الخدماتية، وانتعاش مرتقب للقطاعات الصناعية.
وتأتي هذه الدينامية، وفق تقرير حديث لمندوبية التخطيط حول “لمحة الظرفية الاقتصادية للفصل الاول من 2026 والتوقعات بالنسبة للفصلين الثاني والثالث من نفس السنة، بعد أن سجل الاقتصاد الوطني خلال الفصل الأول من السنة الجارية نمواً بنسبة 4.6 في المائة على أساس سنوي، مقابل 4.4 في المائة خلال الفصل السابق، في أداء عكس قدرة الاقتصاد على الصمود في مواجهة ظرفية دولية اتسمت بارتفاع منسوب عدم اليقين وتراجع زخم بعض الأنشطة الإنتاجية.
الفلاحة تستعيد موقعها كقاطرة للنمو
وأعادت الظروف المناخية المواتية القطاع الفلاحي إلى واجهة المشهد الاقتصادي، بعدما ساهم بشكل كبير في دعم النمو خلال الفصل الأول من سنة 2026. فقد ارتفعت القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 18.4 في المائة، بفضل انتظام التساقطات المطرية خلال الموسم الشتوي، لتسجل مستويات أداء قريبة من تلك المسجلة سنة 2017.
وساهم القطاع الفلاحي بما يقارب 1.9 نقطة في النمو الاقتصادي، مستعيدا دوره كرافعة أساسية للنسيج الإنتاجي، بعدما كان خلال السنوات السابقة أكثر القطاعات تأثراً بتوالي سنوات الجفاف.
بالموازاة مع الانتعاش الفلاحي، واصلت الأنشطة الثالثية تعزيز مساهمتها في الاقتصاد الوطني، بعدما سجلت نمواً بنسبة 4.3 في المائة خلال الفصل الأول، مستفيدة من الأداء الجيد لقطاعات السياحة والنقل والتجارة.
ويؤكد هذا الأداء استمرار متانة قطاع الخدمات، الذي أصبح أحد أهم مصادر خلق القيمة المضافة، بفضل انتعاش الطلب الداخلي وتحسن النشاط المرتبط بالسفر والتجارة والخدمات المرتبطة بالمقاولات.
تباطؤ مؤقت في الأنشطة الصناعية
في المقابل، واجهت الأنشطة الثانوية صعوبات خلال بداية سنة 2026، بعدما انخفضت قيمتها المضافة بنسبة 1 في المائة على أساس سنوي، لتنهي بذلك سلسلة من عشرة فصول متتالية من النمو.
ويعود هذا التراجع إلى الضغوط التي واجهتها مجموعة من القطاعات، خاصة الصناعات الاستخراجية والكهربائية والكيميائية والبناء، بعدما استنزفت المقاولات جزءا مهما من تمويلاتها الذاتية خلال السنتين الماضيتين لتمويل مشاريع استثمارية، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الإنتاج.
ورغم هذا التباطؤ، حافظت بعض الصناعات الصاعدة على ديناميتها، حيث سجلت صناعتا السيارات والطائرات نمواً بنسبة 5.9 في المائة، مستفيدتين من تحسن الطلب الخارجي.
الطلب الداخلي يواصل قيادة النمو
أكدت المؤشرات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن الطلب الداخلي ظل المحرك الرئيسي للاقتصاد الوطني، بعدما ساهم بـ6.9 نقاط في النمو خلال الفصل الأول من سنة 2026.
وسجل استهلاك الأسر ارتفاعا بنسبة 4.6 في المائة، مقابل 1.1 في المائة خلال الفصل السابق، مدعوما بتحسن المداخيل، خاصة في الوسط القروي، حيث انعكس الانتعاش الفلاحي على القدرة الشرائية للأسر.
كما أظهرت مؤشرات قطاع التجارة بالجملة تحسنا ملحوظا في الطلب على المنتجات الغذائية والفلاحية، إذ ارتفعت أرصدة آراء التجار بشأن المنتجات الفلاحية بـ62.6 نقطة، وبـ25.2 نقطة بالنسبة للمواد الغذائية الأخرى والمشروبات، بعدما كانت هذه المؤشرات سلبية خلال الفصل السابق.
من جهته، حافظ الاستثمار على ديناميته، حيث ارتفع التكوين الإجمالي للرأسمال بنسبة 10.8 في المائة، مدفوعا بتسارع إعادة تكوين المخزونات، خصوصا من المنتجات الفلاحية، رغم بعض التباطؤ في النفقات التجهيزية للمقاولات بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج.
المبادلات الخارجية تحد من قوة النمو
رغم استمرار تحسن الصادرات التي سجلت ارتفاعاً بنسبة 9.2 في المائة، فإن تسارع الواردات بنسبة 12.7 في المائة، بفعل قوة الطلب الداخلي، أدى إلى تسجيل مساهمة سلبية للمبادلات الخارجية بلغت 2.3 نقطة من النمو خلال الفصل الأول.
ويعكس هذا التطور استمرار الضغط الذي يفرضه العجز التجاري على الأداء الاقتصادي، رغم تحسن شروط التبادل التجاري.
وشهدت المالية العمومية خلال الفترة نفسها ارتفاعاً في العجز الميزانياتي، نتيجة ارتفاع نفقات المقاصة واستمرار المجهود الاستثماري العمومي.
كما ارتفعت الحاجة التمويلية للاقتصاد الوطني مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، غير أنها بقيت في مستويات متحكم فيها، حيث بلغت حوالي 1.5 في المائة من الناتج الداخلي الخام الفصلي.
استمرار الصمود رغم التوترات الدولية
يتوقع أن يواصل الاقتصاد الوطني صموده خلال الفصل الثاني من سنة 2026، رغم تداعيات استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية، خاصة اضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف النقل البحري.
ويرتقب أن يبلغ النمو الاقتصادي 4.8 في المائة، مع استمرار الفلاحة في لعب دور أساسي، إذ يتوقع نمو قيمتها المضافة بنسبة 20.5 في المائة.
كما ينتظر أن تحافظ الخدمات على نموها بنسبة 4.3 في المائة، بينما تبدأ أنشطة البناء مرحلة التعافي بعد فصلين من الأداء الضعيف.
أما الصناعات التحويلية، فستظل تحت ضغط محدودية الطلب الخارجي، مع توقع نمو طفيف لا يتجاوز 0.3 في المائة.
الاستهلاك والاستثمار يحافظان على ديناميتهما
سيواصل استهلاك الأسر دعم النشاط الاقتصادي خلال الفصل الثاني، مع توقع ارتفاعه بنسبة 4.7 في المائة، بفضل تحسن الدخل، وارتفاع النفقات المرتبطة بعيد الأضحى، واستمرار نمو القروض الاستهلاكية.
كما يتوقع أن يسجل الاستثمار نموا بنسبة 9.4 في المائة، مستفيداً من استمرار المشاريع العمومية المرتبطة بالبنيات التحتية، مقابل تباطؤ جزئي في استثمارات الشركات بسبب تقلص الهوامش الربحية.
من المنتظر أن يرتفع معدل التضخم إلى 1.1 في المائة خلال الفصل الثاني، بعد تسجيل انخفاض طفيف خلال الفصل الأول، نتيجة عودة بعض الضغوط التضخمية المستوردة.
ويرتبط هذا التطور أساسا بارتفاع أسعار المحروقات، التي ستساهم بحوالي 0.8 نقطة في نمو أسعار المواد غير الغذائية، بينما سيواصل انخفاض أسعار المواد الغذائية فقدان حدته، خاصة مع ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع نمو القروض الموجهة للاقتصاد إلى 10 في المائة خلال الفصل الثاني، مقابل 8.4 في المائة في بداية السنة، نتيجة تحسن تمويل الشركات واستمرار نمو القروض الاستهلاكية.
كما يتوقع ارتفاع الأصول الاحتياطية الرسمية بنسبة 21.9 في المائة، وارتفاع المديونية النقدية للخزينة بنسبة 7.1 في المائة، فيما ستواصل الكتلة النقدية نموها بوتيرة تصل إلى 12.1 في المائة.
وفي هذا السياق، يرجح أن يواصل بنك المغرب تدخلاته لدعم السيولة البنكية، مع الحفاظ على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25 في المائة.
تسارع النمو بدعم من تحسن الصناعة
يرتقب أن يدخل الاقتصاد الوطني خلال الفصل الثالث من سنة 2026 مرحلة تسارع أكبر، مع توقع بلوغ النمو 5.4 في المائة.
وسيستند هذا التحسن إلى استمرار تعافي الفلاحة، التي يتوقع أن تنمو بنسبة 19.9 في المائة، وتحسن الصناعات التحويلية بنسبة 1.8 في المائة، إضافة إلى انتعاش الصناعات الاستخراجية بفضل تحسن الطلب العالمي على الأسمدة.
كما ستواصل الخدمات دعم النشاط الاقتصادي بنمو متوقع يبلغ 4.4 في المائة.
رغم التحسن المتوقع في المؤشرات الاقتصادية، تظل الآفاق مرتبطة بعدد من المخاطر، خاصة تطورات الوضع الجيوسياسي العالمي، وتقلبات أسعار الطاقة، وتأثيرات التجارة الدولية على تكاليف الإنتاج.
غير أن الاقتصاد الوطني يستفيد من مرتكزات داخلية داعمة، تتمثل أساسا في تعافي القطاع الفلاحي، وصمود الطلب الداخلي، واستمرار شروط نقدية ملائمة، وهي عوامل تعزز توقعات مواصلة مسار النمو خلال النصف الثاني من سنة 2026.
المصدر:
العمق