عمر السعيد ـ كود//
ما بقى لا كاس كيتعمر، لا دخان السجائر كيعمر السقف، لا صوت القمارة كيتراهنو على الخيل، ولا قفشات سعيد الصديقي اللي كانت كتخرج الضحك حتى من الناس اللي ما كيعرفوهش. غير باب مسدود، وزجاج مغبر، وذكريات كتفيق كل مرة كيدوز شي واحد من الرواد القدام من قدام “هنريس بار”، كيقف شوية، ويبتاسم، بحال لا سمع شي صوت جاي من الداخل.
أكثر من تسعين عام دازو على نهار تفتح هاد البار، فآخر عشرينيات القرن الماضي، تقريبا مع افتتاح فندق باليما. اختيار البلاصة ما كانش صدفة. غير خطوات قليلة على محطة الرباط المدينة، اللي كانت وما زالت شريان كيدخلو ويخرج منو الناس. هنا كان المسافر، قبل ما يشد الطاكسي ولا يمشي لدارو، يقدر يدوز يشرب بيرة باردة، ويحبس عقارب الساعة لدقائق.
فالأول، كان “هنريس بار” ملك لفرنسي، وكانت الكراسي ديالو عامرة بالفرنسيين والأوروبيين. ومن بعد الاستقلال، تبدلات الوجوه، ولكن ما تبدلاتش روح المكان. شراه يهودي مغربي، وسيرّو حتى عام 1972. نهار قرر يبيع، قال للعمال إنه غادي يهاجر لكندا، لكن الرباط مدينة كتعشق الإشاعات. وسرعان ما بدا الكلام كيدور بأن الوجهة الحقيقية كانت إسرائيل.
الملاك الجدد كانو ثلاثة رجال من سوس، عاشو سنوات طويلة ففرنسا، ورجعو باش يكملو حكاية مكان سبقهم إليه آلاف الزبناء. ومع مرور الوقت، ولى “هنريس بار” جزء من الحياة اليومية فالرباط. ماشي غير بار، ولكن فضاء كيتلاقاو فيه الموظف الكبير، والصحافي، والكاتب، والفنان، والمسافر، وحتى اللي غير داخل يبرد عطشو ويخرج.
على طاولاتو دارت نقاشات فالأدب والسياسة والفن أكثر مما دارت على البيرة. كانو كيجلسو فيه عبد الله الستوكي، وإدريس الخوري، ومحمد لشهب، ونبيل لحلو، ومحمد الدواح، وسعيد الصديقي، خو الطيب الصديقي، ولطفي عبد الغفور، عضو الكورال فالجوق الوطني وخو الفنان فيغون، اللي كان من أوائل المغاربة اللي غناو السول والريذم أند بلوز.
حتى محمد برادة خلا “هنريس بار” يعيش داخل الأدب. فـ”لعبة النسيان”، كيخلي البطل الطايع يشهد جريمة قتل ديال أمريكي فالمرحاض اللي كاين فالطابق التحتاني، بعدما تهرس راسو بمطرقة. وهكذا ولى المكان ماشي غير جزء من ذاكرة الرباط، ولكن حتى من الذاكرة الروائية المغربية.
من بداية السبعينيات، تبدلات شوية الملامح. دخلات فئة جديدة: عشاق الرهان على سباقات الخيل. كانوا كيعمرو الطاولات بالنشرات والأقلام، كيتسناو النتائج، وكيتخاصمو ويضحكو، بينما الزبناء الآخرين كيتفرجو عليهم ولا كيدخلو معاهم فالنقاش. من تما ولات التحية اللي كيطلقها سعيد الصديقي، أول ما كيدخل: “صباح الخيل”. تحية كتضحك اللي فاهمها واللي ما فاهمهاش.
الصديقي ما كانش غير زبون. كان كيعتبر “هنريس بار” مكتب ثاني ديالو. كيجلس على نفس الطاولة، يخرج الأوراق، ويكتب العمود اليومي ديالو “Minbar”، اللي كانت كتنشرو جريدة “المغرب” الناطقة بالفرنسية، التابعة لحزب التجمع الوطني للأحرار. ومن بعد، كيعطي الأوراق لشي واحد يوصلها لمقر الجريدة.
وكيحكيو أن شي نهار جا عندو واحد الموظف خوانجي وقال ليه: “حشومة… كتكتب منبر من البار؟”. الصديقي، اللي كان معروف بسرعة البديهة، جاوب بلا ما يرفع راسو: “أنا ما كنقصدش منبر الجامع… أنا كنقصد غير باللي كنكتب Minbar أي من البار، من هنريس”.
بحال بزاف ديال الأماكن اللي عمرها أطول من عمر أصحابها، ما كانش اللي غادي ينقذ “هنريس بار” من الزمن. الملاك الأصليون تقدمو فالسن، والورثة ما قدروش يتفاهمو، والضرائب وواجبات الكراء بقاو كيتراكمو، حتى جا القرار الصعيب: السدان. وكان ذلك قبل جائحة كورونا بقليل.
اليوم، اللي كيدوز من قدام “هنريس بار” ما كيشوف غير محل مغلق. أما اللي عاشو، فكيسمعو حاجة أخرى. كيسمعو هدير القطار خارج المحطة، وقرقعة الكيسان فوق الرخام، وصوت النادل وهو كينادي على الطلبات، وضجيج القمارة وهم كيتسناو الحصان الرابح، وضحكة إدريس الخوري، وقفشة سعيد الصديقي، وتعليق عبد الله الستوكي… بحال إلا الزمن وقف تما، ورفض يخرج آخر الزبناء.
المصدر:
كود