آخر الأخبار

من علبة صفيح إلى أوتار العود.. عازف من أرفود يتخذ من النغمات جسرا للتعريف بالمغرب

شارك

ما إن يحتضن محمد جناني عوده، حتى تنساب النغمات، مستوقفة أسماع زوار مدينة أرفود قبل خطواتهم. فبشغف صقله بالممارسة، لا بالدراسة الأكاديمية، استطاع هذا الفنان العصامي أن يحول عزفه إلى نافذة يطل منها السياح على الطرب المغربي والعربي، ويترك في ذاكرتهم انطباعا لا يقل رسوخا عن سحر الواحات التي تحتضنها المدينة.

مصدر الصورة

علبة صفيح

لم تكن بداية محمد جناني مع العود مفروشة بالورود، بل ولدت من رحم المعاناة والشغف الطفولي. وفي بوح صادق لجريدة “العمق”، يسترجع جناني بداياته قائلا: “في الحقيقة هي هواية وليست احترافا، أنا مجرد هاو، بدأت القصة منذ مرحلة الدراسة الابتدائية، حيث كنا نتعلم ونحن أطفال صغار، نصنع عودا بدائيا من ‘طاس’ (علبة صفيحية) ونثبت عليه قطعة خشبية عند النجار.”

لكن طريق الفن كان يصطدم أحيانا بصرامة الوالدين والرغبة في التعليم، حيث يتذكر ضاحكا كيف كان “يشبع ضربا” من أجل التركيز على دراسته، ولم تكن الظروف الاجتماعية سهلة، فقد توفي والده مبكرا وتكفلت والدته برعايته وحيدة، وحاولت جاهدة أن يكمل تعليمه، إلا أن العوائق المادية وقفت حائلا دون ذلك، ليتوقف مساره الدراسي عند حدود الشهادة الابتدائية، لكن إرادة الفن والشغف الكامن في داخله كانت أقوى من كل الظروف، وظل صوت الموسيقى يتردد في أعماقه.

تنقل جناني في شبابه بين شغفه الموسيقي وكسب قوته اليومي، فكان يشارك في الأنشطة المدرسية والوطنية كعيد العرش وعيد التمر منذ صغره، مستغلا أي فرصة تتيح له مداعبة أوتار العود التي أتقن العزف عليها “بالسمع والآذان” دون قراءة النوتة الموسيقية.

مصدر الصورة

أما مهنته الأصلية التي قضى فيها سنوات عمره، فكانت “الطبخ”، حيث أدار مقاهي ومطاعم وبذل فيها مجهودا بدنيا شاقا. ومع تقدم السنين، والتقدم في السن، لم تعد الصحة تسعفه لتحمل مشاق الوقوف الطويل وعناء المطبخ، وهنا قرر جناني أن يعود إلى ملاذه الآمن، ويجعل من العود مهنته ومصدر راحته النفسية، محولا تعب السنين إلى نغمات تشفي الروح والبدن.

يمتلك جناني أذنا موسيقية لا ترضى إلا بالخالد من الألحان، فهو يرفض الانجراف وراء الأنماط التجارية أو الموسيقى الشعبية المبتذلة، مؤكدا أن هوايته مغروسة في أرض الطرب الأصيل. يقول جناني بنبرة ملؤها الاعتزاز: أنا مولع منذ صغري بالموسيقى الشرقية، وفي مقدمتها كوكب الشرق أم كلثوم، والموسيقار محمد عبد الوهاب، وفي نفس الوقت، يجري في دمي عشق الموسيقى المغربية الأصيلة، رواد من طينة عبد الهادي الدكالي، وعبد الوهاب بلخياط، ومحمد الحياني، وكل تلك الأغاني المغربية القديمة.”

لغة الموسيقى

تحول فضاء جناني الصغير في أرفود إلى محج يجمع عشاق الفن من المغاربة والسياح الأجانب القادمين من مختلف قارات العالم، مثل البرازيل، ألمانيا، وإيطاليا. ورغم اختلاف اللغات واللكنات، نجح جناني في جعل عوده لغة عالمية تفهمها القلوب قبل الآذان.

وعن هذا التلاقح الثقافي يقول “الإقبال كبير بحمد الله. حتى وإن كان السياح لا يفهمون الكلمات، فإنهم يستشعرون النغم. مشيرا إلى أن في أغلب الأحيان أشرح لهم معاني الأغاني، وأحيانا يستعينون بتطبيقات الترجمة لفهم القصد من المقطع الموسيقي”.

مصدر الصورة

ولا يكتفي جناني بالعزف، بل يخلق أجواء تفاعلية مبهجة، فيقدم للمغاربة رصيدهم الغني عن التعريف من الأغاني الخالدة، بينما يفاجئ السياح الأجانب بلمحات من الطرب الأندلسي أو أنغام “الفلامينكو” الإسباني، متأقلما مع أذواقهم، ليحقق غايته الأسمى: “أن يغادروا وهم في قمة السعادة”.

لا ينفصل محمد جناني عن بيئته، فهو ابن واحة “تافيلالت” المعطاءة، ويعتز بكل مقوماتها التي تلهم عزفه، فهو يرى أن “أرفود” والمنطقة ككل غنية عن التعريف بتمورها الممتازة، ومستحاثاتها الفريدة (ليفوسيل)، ومعادنها النفيسة. لكن الثروة الحقيقية في نظره تكمن في الإنسان: “أهل المنطقة ناس طيبون، بسطاء وكُرماء”.

يختتم محمد جناني حديثه برسالة دافئة تشبه شمس أرفود، قائلا إن “كل من يزور هذه المنطقة، سواء كان مغربيا أو أجنبيا، فهو في بيته وبين أهله”.

مصدر الصورة

العمق المصدر: العمق
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا