مع حلول العطلة الصيفية وتوقف الدراسة، يقضي آلاف الأطفال ساعات طويلة أمام ألعاب الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي، مستفيدين من اتساع أوقات الفراغ وغياب الروتين المدرسي، وهو ما يثير مخاوف متزايدة لدى الأسر والمتخصصين بشأن الآثار النفسية والاجتماعية والصحية للإفراط في استخدام الشاشات، في مقابل تأكيد الخبراء أن المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا في حد ذاتها، بل في طريقة استخدامها وغياب التوازن داخل الحياة اليومية للطفل.
في هذا السياق، أكدت بشرى المرابطي، أخصائية نفسية باحثة في علم النفس الاجتماعي، أن ألعاب الفيديو لا ينبغي النظر إليها باعتبارها “عدوا” يجب منعه نهائيا، كما لا يجوز التعامل معها كنشاط بريء يمكن تركه دون أي ضوابط، موضحة أن نتائج الأبحاث الحديثة في علم النفس النمائي تشير إلى أن تأثير هذه الألعاب يتحدد أساسا بنوعية اللعبة، والمدة الزمنية المخصصة لها، وعمر الطفل، ومدى توازنها مع الأنشطة الأخرى، إضافة إلى حضور الوالدين في توجيه هذا الاستخدام.
وأوضحت المرابطي، في تصريح لهسبريس، أن المنع المطلق للألعاب الإلكترونية قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ يزيد من جاذبيتها لدى الأطفال والمراهقين ويدفع بعضهم إلى استخدامها خفية، بينما يؤدي غياب الضوابط إلى الإفراط في الاستعمال، داعية إلى اعتماد قواعد أسرية واضحة ومتفق عليها بين جميع أفراد الأسرة.
وشددت المتحدثة على أهمية اختيار الألعاب المناسبة لكل مرحلة عمرية، مع الحرص على الابتعاد عن الألعاب التي تتضمن مستويات مرتفعة من العنف أو تسمح بالتواصل غير الآمن مع الغرباء، معتبرة أن مراقبة المحتوى أصبحت ضرورة في ظل تنامي الألعاب الإلكترونية المرتبطة بالإنترنت.
كما دعت الباحثة في علم النفس الاجتماعي إلى تحديد وقت يومي معقول لاستخدام الشاشات، مع تجنب اللعب قبل النوم، لأن التعرض المطول للأجهزة الإلكترونية في الساعات المسائية يؤثر سلبا على جودة النوم، وينعكس على الانتباه والذاكرة والمزاج خلال اليوم الموالي.
وأبرزت المرابطي أن الأفضل هو ربط وقت اللعب بالمسؤوليات اليومية، كترتيب الغرفة أو القراءة أو ممارسة نشاط بدني، بدلا من استعماله كوسيلة للعقاب أو المكافأة، مؤكدة أن الطفل يحتاج خلال العطلة إلى تنويع خبراته بين الرياضة والسباحة والرسم والموسيقى والقراءة واللعب الحر مع أقرانه، لأن تعدد مصادر المتعة يقلل من تعلقه بالشاشات باعتبارها الوسيلة الوحيدة للترفيه.
وأشارت إلى أن مشاركة الوالدين أبناءهم بعض الألعاب الإلكترونية أو الأنشطة الترفيهية تتيح فهما أفضل لاهتماماتهم، وتفتح باب الحوار حول المحتوى الذي يتابعونه، كما تساعد على اكتشاف أي سلوك أو محتوى غير مناسب في وقت مبكر.
وحذرت المرابطي من عدد من العلامات التي قد تشير إلى دخول الطفل مرحلة الإدمان، من بينها الانفعال الشديد عند إيقاف اللعب، وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي كان يستمتع بها سابقا، وإهمال النوم أو الطعام أو النظافة الشخصية، إضافة إلى الانعزال الاجتماعي وتراجع المستوى الدراسي أو ظهور مشاكل أسرية مرتبطة بالاستخدام المفرط للألعاب.
وأكدت أن القدوة الأسرية تبقى من أكثر أساليب التربية تأثيرا، معتبرة أنه يصعب إقناع الطفل بتقليل استخدام الهاتف أو الأجهزة الإلكترونية إذا كان الوالدان يقضيان معظم أوقاتهما أمام الشاشات، مضيفة أن جودة العلاقة داخل الأسرة والحوار المستمر بين الآباء والأبناء يجعلان الأطفال أكثر استعدادا لاحترام القواعد المتعلقة باستخدام التكنولوجيا.
من جانبه، أوضح فيصل الطهاري، أخصائي نفسي إكلينيكي ومعالج نفساني، أن العطلة الصيفية تعد أطول فترة فراغ يعيشها الأطفال خلال السنة، حيث تمتد لشهرين أو ثلاثة أشهر، في وقت لا يستطيع فيه كثير من الآباء مرافقة أبنائهم بسبب التزاماتهم المهنية، وهو ما يجعل الأطفال يتجهون تلقائيا إلى الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات الفيديو.
وأكد الطهاري، في تصريح لهسبريس، أن منع الأطفال من استخدام الشاشات بشكل كامل لم يعد خيارا واقعيا، خاصة بعد سن السادسة أو السابعة، حيث أصبحت التكنولوجيا جزءا من حياتهم اليومية، غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب جدول زمني واضح ينظم فترات الاستعمال.
وأوضح أن الحل يبدأ بوضع برنامج يومي يحدد أوقات استخدام الأجهزة الإلكترونية، مقابل توفير بدائل حقيقية تجذب الأطفال، مثل الأنشطة الرياضية والثقافية، وتشجيعهم على القراءة وتنمية المهارات اللغوية، إلى جانب ممارسة الألعاب الجماعية ككرة القدم والسباحة، بما يضمن استثمار أوقات الفراغ بطريقة مفيدة.
وأضاف أن ترك الأطفال وحدهم يختارون كيفية قضاء يومهم يدفعهم غالبا إلى الجلوس لساعات طويلة أمام الشاشات، وهو ما ينعكس سلبا على صحتهم الجسدية ونشاطهم الحركي، فضلا عن تأثيره على نموهم الاجتماعي، حيث يقل التواصل المباشر مع الآخرين وتزداد مظاهر الانعزال.
وأكد الأخصائي النفسي أن دور الوالدين لا يقتصر على وضع القواعد، بل يمتد إلى المشاركة الفعلية في الأنشطة اليومية للأبناء، سواء عبر اللعب معهم أو ممارسة الرياضة أو الخروج في نزهات بعيدا عن الهواتف والأجهزة الإلكترونية، لأن الطفل يتعلم من خلال الممارسة أكثر مما يتعلم عبر التعليمات.
ويجمع المتخصصون على أن العطلة الصيفية تمثل فرصة مهمة لتنمية شخصية الطفل واكتساب مهارات جديدة، شرط ألا تتحول الشاشات إلى المصدر الوحيد للترفيه. فالتكنولوجيا، بحسب الخبراء، يمكن أن تكون جزءا من حياة الأطفال بشكل صحي إذا استُخدمت باعتدال، وضمن توازن يجمع بين الحركة والنوم الكافي والقراءة والعلاقات الأسرية والتفاعل الاجتماعي، بما يعزز نموهم النفسي والاجتماعي والمعرفي ويجنبهم الوقوع في دائرة الإدمان الرقمي.
المصدر:
هسبريس