وضعت السلطات الولائية بجهة الدار البيضاء-سطات، بتنسيق مع المصالح المركزية بوزارة الداخلية، مئات اتفاقيات الشراكة فوق طاولة الفحص والتدقيق، بعد رصد مجموعة من الاختلالات المرتبطة بإعدادها وصياغتها وتنفيذها، وذلك في إطار مقاربة تروم تعزيز الحكامة وحماية المال العام.
وأفادت مصادر عليمة لجريدة العمق المغربي بأن عملية التدقيق شملت اتفاقيات أبرمت من طرف جماعات ترابية ومجالس منتخبة ومؤسسات عمومية، بعدما كشفت المراجعات الأولية وجود نواقص همّت تحديد الأغلفة المالية للمشاريع، والمساطر الإدارية المعتمدة، إلى جانب عدم ضبط التزامات مختلف الشركاء بشكل دقيق.
وأضافت المصادر ذاتها أن السلطات وجهت تعليمات إلى المصالح المختصة داخل الجماعات الترابية وباقي الهيئات المعنية من أجل إعادة دراسة عدد من الاتفاقيات، والعمل على تصحيحها عبر إدراجها ضمن جداول أعمال الدورات الرسمية، مع إعداد ملاحق تعديلية كلما اقتضت الضرورة ذلك، بما يضمن انسجامها مع المقتضيات القانونية والتنظيمية.
ووفق المصادر نفسها، فقد أبانت عمليات الافتحاص عن غياب دراسات دقيقة في عدد من الملفات، سواء على المستوى المالي أو التقني أو الإداري، وهو ما انعكس على جودة الاتفاقيات المبرمة، وجعل العديد منها يحتاج إلى تعديلات متكررة بعد توقيعها، لتدارك اختلالات كان بالإمكان معالجتها قبل المصادقة النهائية عليها.
وأوضحت مصادر العمق المغربي أن من بين أبرز الملاحظات التي سجلتها المصالح المركزية بوزارة الداخلية، غياب تقييم واقعي للكلفة الحقيقية للمشاريع، وعدم تحديد مصادر التمويل بشكل واضح، فضلا عن ضعف الدراسات المتعلقة بالجدوى الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي يصعب معه تقييم أثر المشروع قبل انطلاقه.
وأكدت المصادر أن هذا الوضع أدى في عدد من الحالات إلى اللجوء لإبرام ملاحق تعديلية متتالية، سواء لإعادة توزيع المساهمات المالية بين الشركاء، أو لتعديل آجال الإنجاز، أو لإعادة صياغة بعض الالتزامات، وهو ما يطرح تساؤلات حول جودة الإعداد الأولي للاتفاقيات ومدى احترام قواعد التخطيط المسبق.
وترى المصادر ذاتها أن غياب التخطيط الدقيق ينعكس بشكل مباشر على وتيرة إنجاز المشاريع، إذ ترتفع احتمالات التأخر في التنفيذ، كما ترتفع الكلفة النهائية مقارنة بالتقديرات الأولية، نتيجة تغير الأسعار أو ظهور إكراهات تقنية وإدارية لم تؤخذ بعين الاعتبار أثناء إعداد الاتفاقيات.
كما سجلت عملية التدقيق، بحسب المصادر، صعوبات في تتبع تنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتق كل طرف من أطراف الاتفاقية، بسبب غياب مؤشرات واضحة للإنجاز أو عدم تحديد المسؤوليات بشكل دقيق، وهو ما ينعكس على آليات التتبع والمحاسبة عند تسجيل أي تعثر.
وفي السياق ذاته، أوضحت مصادر عليمة لجريدة “العمق” أن جزءا من الملاحق التعديلية المرتقبة يهدف إلى تصحيح أخطاء مادية أو تقنية وردت في الاتفاقيات الأصلية، سواء تعلق الأمر بالبيانات أو الجداول أو المراجع القانونية، فضلا عن تسوية وضعيات عقارية أو تقنية لم تكن محسومة لحظة توقيع الاتفاقيات.
وأضافت المصادر أن بعض المشاريع ستعرف إعادة برمجة شاملة، نتيجة تغير الأولويات التنموية أو صدور توجيهات جديدة من السلطات المختصة، بما يفرض تحيين مضامين الاتفاقيات حتى تنسجم مع المعطيات الجديدة ومع حاجيات الساكنة.
ولم تستبعد المصادر أن تشمل التعديلات مراجعة الأغلفة المالية لعدد من المشاريع، خاصة في ظل الارتفاع الذي عرفته أسعار المواد الأولية والأشغال والخدمات خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل الكلفة الواقعية تختلف عن تلك التي تم اعتمادها عند إعداد الاتفاقيات الأصلية.
كما يرتقب، وفق المصادر نفسها، تمديد آجال إنجاز عدد من المشاريع بسبب ظروف قاهرة أو عراقيل تقنية وإدارية وعقارية حالت دون احترام الآجال المحددة سابقا، مع الحرص على تأطير هذه التعديلات قانونيا من خلال ملاحق رسمية تحفظ حقوق جميع الأطراف.
وأكدت مصادر العمق المغربي أن هذه العملية لا تستهدف تعطيل المشاريع، بل تروم تصحيح الاختلالات وضمان سلامة الإطار القانوني والمالي لاتفاقيات الشراكة، بما يعزز الشفافية ويرفع من نجاعة تنفيذ المشاريع العمومية، ويحد من النزاعات والإشكالات التي قد تظهر خلال مراحل الإنجاز.
وتأتي هذه الخطوة، بحسب المصادر ذاتها، في سياق توجه وزارة الداخلية نحو إرساء حكامة أكثر صرامة في تدبير اتفاقيات الشراكة، من خلال التشديد على ضرورة إنجاز الدراسات القبلية المالية والتقنية والإدارية، وضبط التزامات الشركاء بدقة، بما يضمن حسن توظيف الموارد العمومية وتحقيق الأهداف التنموية وفق معايير النجاعة والفعالية.
المصدر:
العمق