أمضت امرأة مغربية، تبلغ من العمر 71 سنة، معظم حياتها في العمل داخل منازل بمدينة سبتة المحتلة، منذ طفولتها، في ظروف غلب عليها الطابع غير المهيكل، ومن دون عقود عمل قانونية في أغلب المراحل، قبل أن تنتهي معركتها الإدارية والقضائية برفض طلبها الحصول على اللجوء أو الحماية الدولية في إسبانيا.
وكشفت صحيفة “الفارو” الصادرة بسبتة، قصة السيدة “فاطمة”، وهو اسم مستعار، التي تقدمت بطلب الحماية الدولية بعد وفاة والديها وانقطاع روابطها العائلية بالمغرب، معتبرة أن وضعها الإنساني والاجتماعي لا يسمح لها ببدء حياة جديدة في بلد لم يعد يربطها به، حسب روايتها، لا سند عائلي ولا مورد مالي.
غير أن الغرفة الإدارية بالمحكمة الوطنية الإسبانية رفضت طلبها، معتبرة أن المعطيات التي قدمتها لا تستجيب للشروط القانونية التي يحددها قانون اللجوء الإسباني، رغم ما تضمنه ملفها من معطيات مرتبطة بسنوات طويلة من العمل غير النظامي والهشاشة الاجتماعية وغياب التغطية القانونية والمهنية.
وتسلط هذه القضية الضوء على معاناة فئة من العاملات المغربيات اللواتي اشتغلن لعقود في المنازل بسبتة، غالباً في ظروف غير قانونية، ومن دون حماية اجتماعية أو ضمانات مهنية، مقابل أجور متدنية لا تعكس طبيعة العمل الذي كن يقمن به، ولا سنوات الخدمة التي قضينها بين المعابر والمنازل.
كانت فاطمة قد تلقت، في دجنبر 2024، أول قرار رسمي برفض طلبها الحصول على الحماية الدولية أو اللجوء. وبعد طعنها في القرار، صدر حكم جديد في يونيو 2026 يؤكد الرفض، مع تحميلها المصاريف القضائية، بعدما اعتبرت المحكمة أن حالتها لا تندرج ضمن الفئات التي يمنحها القانون الإسباني حق اللجوء أو الحماية الفرعية.
وخلال المقابلة الرسمية، أوضحت فاطمة أن آخر مرة عبرت فيها الحدود كانت سنة 2019، وأنها بقيت منذ ذلك التاريخ في مدينة سبتة، حيث كانت قد بدأت العمل منذ سنة 1964، بعد وفاة والديها بمدينة الفنيدق. كما أكدت أنها دخلت سبتة يوم 7 غشت 2019، ولم تغادرها بعد ذلك.
وقبل إغلاق الحدود، كانت السيدة المغربية تعبر يومياً عبر معبر تاراخال للاشتغال داخل المنازل، ولم تستفد من عقد عمل قانوني إلا خلال سنوات محدودة، حين جرى تنظيم وضعية بعض العاملات الحدوديات. واعتبرت أن وضعها الاقتصادي ظل هشاً طيلة حياتها، وأن عودتها إلى المغرب تعني فقدان أي وسيلة للعيش، في ظل غياب الأقارب ومصدر الدخل.
استند طلب اللجوء إلى وضعها الشخصي، باعتبارها امرأة مسنة تقيم بشكل مستقر في إسبانيا منذ سنة 2019، بعد عقود من العمل كعاملة حدودية داخل سبتة.
وأكدت فاطمة أن وفاة والديها سنة 2017 أنهت آخر روابطها العائلية بالمغرب، وأنها أصبحت بلا أسرة أو منزل أو موارد مالية أو شبكة دعم اجتماعي، في مقابل وجود قريبة لها تقيم بمدينة الجزيرة الخضراء بإسبانيا.
وفي الطعن الذي تقدمت به، اعتبرت أن السلطات لم تقيّم ملفها بشكل فردي وشامل، وأنها لم تأخذ بعين الاعتبار أن إعادتها إلى المغرب قد تعرضها للإقصاء الاجتماعي والفقر والتخلي، بالنظر إلى سنها المتقدمة وغياب أي سند عائلي أو اجتماعي في بلدها الأصلي.
في المقابل، رفضت النيابة العامة للدولة هذه المبررات، معتبرة أنه لا وجود لأي اضطهاد يبرر منحها صفة لاجئة أو حماية فرعية، كما رفضت منحها إقامة لأسباب إنسانية خارج الإطار القانوني المنظم لذلك.
أكدت المحكمة الوطنية الإسبانية أن فاطمة لم تثبت تعرضها لأي اضطهاد قائم على أحد الأسباب المنصوص عليها في قانون اللجوء الإسباني رقم 12 لسنة 2009، كما لم تقدم أدلة كافية تجعلها تندرج ضمن التعريف القانوني للاجئ.
واعتبرت المحكمة أن الأسباب التي استندت إليها ترتبط، في جوهرها، بصعوبات اقتصادية واجتماعية وبالرغبة في تحسين ظروف العيش، وهي اعتبارات لا تدخل، وفق منطوق الحكم، ضمن مفهوم الاضطهاد الذي يبرر منح الحماية الدولية.
وشدد الحكم على أن توسيع نطاق اللجوء ليشمل حالات الهجرة الاقتصادية أو الهشاشة الاجتماعية من شأنه أن يفرغ نظام الحماية الدولية من مضمونه القانوني، ويغير الغاية التي أُنشئ من أجلها.
ورغم أن دفاع فاطمة ركز على انعدام أي روابط لها بالمغرب، وعلى هشاشتها الاجتماعية بسبب تقدمها في السن وغياب مصدر للرزق بعد سنوات طويلة من العمل كعاملة حدودية، فإن المحكمة اعتبرت أن الإدارة الإسبانية درست ملفها بصورة فردية، وأن قرار الرفض جاء معللاً ومنسجماً مع القانون والاجتهاد القضائي المستقر.
وجاء في حيثيات الحكم أن صاحبة الطلب لم تعرض وقائع شخصية ومحددة وقابلة للتحقق تثبت تعرضها للاضطهاد، وأن ما قدمته يرتبط أساساً بالصعوبات الاقتصادية وفقدان الروابط الاجتماعية والرغبة في تحسين ظروف الحياة.
واختتمت المحكمة حكمها بالتأكيد على أن مجمل الوثائق والدفوع المقدمة لم تكن كافية لإسقاط قرينة مشروعية القرار الإداري المطعون فيه، معتبرة أن رفض طلب الحماية الدولية جاء مطابقاً للقانون.
وتبقى قصة هذه السيدة، كما أوردتها الصحيفة، نموذجاً لمعاناة عدد من العاملات المغربيات الحدوديات اللواتي قضين سنوات طويلة في العمل غير المهيكل داخل سبتة، من دون عقود أو ضمانات اجتماعية، قبل أن يجدن أنفسهن، في سن الشيخوخة، أمام واقع اجتماعي صعب وحقوق مهدورة.
المصدر:
العمق