عمر المزين – كود///
أكد عبد الرزاق الهيري، مدير المختبر المتعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجهة إلى المغرب تعرف منذ سنوات ديناميكية تصاعدية، مبرزا أن التدفقات الصافية لهذه الاستثمارات ارتفعت بنسبة 41.8 في المائة عند متم شهر ماي 2026 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، لتبلغ أكثر من 23 مليار درهم.
وأوضح الخبير الاقتصادي، في تصريحات لـ”كود”، أن هذا الأداء الكمي، على أهميته، يدفع إلى طرح تساؤل حول ما إذا كان يعكس إعادة تموقع بنيوية للمغرب كمنصة استثمارية إقليمية راسخة، أم أنه مجرد استجابة ظرفية لعمليات استثمارية معزولة ولتحولات جيوسياسية عابرة يصعب التكهن باستمراريتها.
وأضاف أن أبرز ما يميز الموجة الحالية من الاستثمارات الأجنبية بالمغرب هو تحول طبيعة الدافع الذي يحرك المستثمرين، فبعدما كان المغرب يُنظر إليه طيلة العقدين الماضيين بوصفه وجهة تنافسية أساسًا بفضل انخفاض كلفة اليد العاملة، أصبح اليوم يُستقطب كمنصة استراتيجية لتأمين سلاسل التوريد وإعادة توطين الإنتاج في سياق دولي تتصاعد فيه التوترات التجارية والجيوسياسية.
وأشار إلى أن مواقع مثل طنجة المتوسط، إلى جانب الاتفاقيات التجارية والاندماج الصناعي المتنامي، جعلت من المملكة “موصلًا” حقيقيًا بين أوروبا وإفريقيا، وهو ما يفسر انتقال الاستثمار الألماني من مجرد مراكز النداء والأنشطة ذات القيمة المضافة المحدودة إلى منصة هندسية وتكنولوجية متكاملة، في ظل ندرة الأطر الهندسية بألمانيا نفسها.
وسجل أن ظاهرة التقارب الجغرافي دفعت مجموعات صناعية أوروبية كبرى إلى تفضيل المغرب كموقع إنتاجي قريب من السوق الأوروبية، بدل الاعتماد الحصري على سلاسل توريد آسيوية بعيدة تتسم بهشاشة متزايدة أمام الاضطرابات اللوجستية والتوترات الجيوسياسية.
واعتبر أن صناعة السيارات تمثل أوضح تجسيد لهذا المنطق، حيث بات المغرب أول شريك أوروبي في هذا القطاع من حيث القيمة، متقدمًا على الصين واليابان، بفضل سلسلة قيمة ناضجة بعدما كانت هذه الصناعة في طور النشأة قبل عقد من الزمن فقط.
وأكد الهيري أن جاذبية العرض المغربي تستند إلى مجموعة من المقومات التي تتجاوز الظرفية الآنية، وفي مقدمتها الاستقرار السياسي، والتصنيف الائتماني المتقدم إفريقيًا، والسجل التراكمي الإيجابي في قطاعي صناعة السيارات والطيران، إلى جانب بنية تحتية لوجستية من الطراز الرفيع. وأضاف أن تقرير “أين تستثمر في إفريقيا 2025/2026” صنف المغرب ضمن الوجهات الخمس الأكثر جاذبية على المستوى القاري لسنتي 2025 و2026، اعتمادًا على مؤشرات مركبة تشمل الأداء الاقتصادي، وولوج الأسواق، واستقرار المناخ الاستثماري، والتنمية البشرية.
وأشار إلى أن الميثاق الجديد للاستثمار، والتحول التدريجي نحو قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى كالمعادن الحرجة والانتقال الطاقي والخدمات الرقمية، يمثلان عوامل رئيسية تعكس إرادة سياسية واضحة لترسيخ هذا التموقع عبر الزمن، وليس فقط استثماره ظرفيا.
وفي المقابل، أوضح أن هذه القراءة الهيكلية المتفائلة ينبغي أن تُقرأ بحذر، لكون جزء مهم من الزخم الحالي يرتبط بعمليات استثمارية كبرى محددة زمنيًا وقطاعيًا، بحيث يظل من الصعب الجزم باستمرارية وتيرة النمو الحالية بمعزل عن هذه المشاريع الهيكلية الكبرى.
وأضاف أن الوضع السياسي والجغرافي-السياسي الذي يعيشه العالم حاليًا سيكون له تأثير كبير على اختيارات الاستثمار، وهو ما يعكس استحضار المستثمرين الدوليين، وخاصة الأوروبيين منهم، لمنسوب عدم اليقين الذي يطبع البيئة الدولية الراهنة، من توترات تجارية بين القوى الكبرى إلى مخاطر جيوسياسية إقليمية.
وخلص عبد الرزاق الهيري إلى أن المغرب ينجح في ترسيخ مقومات هيكلية دائمة لجاذبيته الاستثمارية، تتجاوز منطق الكلفة المنخفضة نحو منطق التموقع الاستراتيجي ضمن سلاسل القيمة العالمية المعاد هيكلتها، غير أن هذا التموقع البنيوي يظل، في الآن نفسه، مشروطًا ومتفاعلًا مع سياق جيوسياسي دولي شديد التقلب، بحيث تتحول حالة عدم اليقين العالمي من عامل مهدد للاستثمار في حالات معينة إلى عامل حافز يدفع المستثمرين نحو تنويع مخاطرهم الجغرافية واختيار وجهات أكثر استقرارًا كالمغرب.
كما أكد أن استفادة المغرب من هذا المعطى ترتبط بقدرته المؤسساتية والاستراتيجية على تحويل هذا العامل الخارجي إلى ميزة تنافسية نسبية، وهو رهان يظل مرتبطًا باستمرار الإصلاحات الهيكلية أكثر من ارتباطه بمعطيات الظرفية الدولية وحدها.
المصدر:
كود