آخر الأخبار

مجلس المنافسة يطالب برفع “القيود” عن مهنة المحاماة وإلغاء شرط السن

شارك

دعا مجلس المنافسة إلى مراجعة عدد من المقتضيات الواردة في مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، معتبرا أن بعض الشروط المرتبطة بالولوج إلى المهنة وممارستها قد تكون لها آثار تنافسية على سوق الخدمات القانونية، وعلى جودة العرض القانوني، وكلفة الولوج إلى العدالة، وقدرة المتقاضين والمقاولات على الاستفادة من خدمات قانونية متنوعة وفعالة.

وجاء موقف المجلس ضمن رأي أعده بخصوص “وضعية المنافسة المتعلقة بشروط الولوج وممارسة مهنة المحاماة”، في سياق النقاش الذي رافق مشروع القانون رقم 66.23، وبعد طلبات رأي توصل بها المجلس من الفيدرالية الديمقراطية للشغل والنقابة الوطنية للتعليم العالي، أثارت عددا من الإشكالات المرتبطة بشروط الولوج إلى المهنة، والقيود الكمية، والسن، والأتعاب، ونطاق اختصاص المحامي، وأنماط الممارسة.

وأكد المجلس أن تنظيم مهنة المحاماة يكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى الدور المحوري للمحامي داخل منظومة العدالة، غير أن ذلك لا ينبغي، بحسب خلاصات الرأي، أن يتحول إلى قيود غير مبررة على الولوج إلى المهنة أو إلى عوائق تحد من دينامية سوق الخدمات القانونية، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والرقمية التي تعرفها المملكة.

وسجل مجلس المنافسة أن مشروع القانون رقم 66.23 يأتي في سياق إصلاحي يروم تحديث الإطار القانوني المنظم لمهنة المحاماة، وتعزيز الحكامة والشفافية والتكوين المستمر، غير أنه اعتبر أن تقييم المشروع لا يجب أن يقتصر على أبعاده المهنية والقانونية، بل ينبغي أن يشمل كذلك آثاره المحتملة على بنية سوق الخدمات القانونية، وتوازن العرض والطلب، وشروط المنافسة داخل القطاع.

وفي هذا الإطار، أوصى المجلس بإرساء آلية منتظمة ودورية لولوج معهد المحاماة، من خلال برمجة سنوية لمباريات الولوج، بدل المقاربة الحالية التي تقوم على تنظيم امتحان التأهيل بمعدل مرة كل ثلاث سنوات، معتبرا أن الانتظام في فتح مباريات الولوج من شأنه ضمان استمرارية تجديد المهنة وملاءمة مخرجات التكوين مع الحاجيات الفعلية لسوق الخدمات القانونية.

كما دعا المجلس إلى إلغاء سقف السن الأقصى المحدد في 45 سنة للترشح لولوج مهنة المحاماة، معتبرا أن هذا القيد قد يشكل حاجزا أمام إدماج كفاءات مهنية ذات تجربة متنوعة، ويحد من دينامية تجديد المهنة وتطويرها، خاصة أن عددا من التجارب المقارنة، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا، لا تعتمد سقفا زمنيا أقصى للولوج إلى المهنة.

إقرأ أيضًا
أزمة قانون المحاماة.. هل تنجح الأغلبية البرلمانية في تمرير “إصلاح المحاماة” رغم الفيتو المهني؟ مصدر الصورة

واقترح المجلس كذلك اعتماد آليات مرنة لإدماج الكفاءات القانونية ذات الخبرة الميدانية، خاصة أطر الإدارات العمومية، وموظفي كتابة الضبط، والمستشارين القانونيين بالمقاولات، وذلك في إطار نظام إعفاء جزئي من بعض شروط الولوج، شريطة الخضوع لاختبار كفاءات فردي بإشراف الوزارة الوصية، والالتزام بالتفرغ العام لمهنة المحاماة بما يضمن استقلالية المهنة وتفادي حالات تضارب المصالح.

وفي ما يتعلق بالواجبات المالية للانخراط في المهنة، أوصى مجلس المنافسة بإعادة النظر في هذه الواجبات وتوحيدها ضمن سقف وطني مرجعي، بما يحد من التباينات بين هيئات المحامين، ويعزز الموضوعية والوضوح، ويحافظ في الوقت نفسه على التوازن بين متطلبات تمويل التنظيمات المهنية وتيسير ولوج المهنة.

واقترح المجلس وضع إطار مرجعي وطني لواجبات الانخراط، يحدد سقفا وطنيا موحدا في حدود معايير موضوعية مرتبطة بالكلفة الفعلية للتسجيل الإداري للهيئات، مع تجنب تحويل هذه الواجبات إلى عائق مالي غير مبرر أمام المترشحين، إلى جانب اعتماد آلية اشتراكات سنوية لدى الهيئات تتناسب مع تطور رقم معاملات المحامي والخدمات المقدمة.

وشدد الرأي على ضرورة تسهيل الولوج إلى المهنة بالنسبة للممارسين الجدد، من خلال اعتماد تدابير مرنة لفائدتهم، مثل أداء ملائم أو تسهيلات مرحلية، بما يعزز تكافؤ الفرص ويدعم إدماج الكفاءات الشابة في المهنة.

وبخصوص شفافية الأتعاب، اقترح المجلس إعداد مرجعية استرشادية للأتعاب من طرف الوزارة الوصية، لا تقيد حرية التعاقد بين المحامي والموكل، لكنها تمكن الموكل من توقع التكاليف مسبقا، وتيسير البت في منازعات الأتعاب من طرف النقيب أو القضاء.

كما أوصى بإحداث منصة رقمية استرشادية لتقدير الأتعاب، تكون متاحة للعموم وتحت إشراف الوزارة الوصية، تتيح للمتقاضي إدخال معطيات عامة حول طبيعة القضية ونوع النزاع ودرجة التقاضي، للحصول على تقدير استرشادي غير ملزم للأتعاب.

ودعا المجلس أيضا إلى اعتماد اتفاق مسبق ومكتوب بين المحامي والموكل، يتضمن تفصيل احتساب الأتعاب ومراحل أدائها، بما يضمن وضوح الالتزامات المالية للطرفين، ويحد من الغموض أو الاختلاف في تفسير العلاقة التعاقدية. كما أوصى بإحداث لجان متخصصة داخل هيئات المحامين لتسوية منازعات الأتعاب بشكل ودي وسريع، مع فرض إصدار فواتير مفصلة توضح طبيعة الخدمات القانونية المقدمة وتكلفتها.

وفي جانب اختصاصات المحامي، أوصى مجلس المنافسة بإعادة صياغة المادة 33 بما يرفع الغموض القائم ويمنع أي تأويل قد يؤدي إلى تضييق غير مبرر على نطاق تدخل المحامي في مجال تحرير العقود. ودعا إلى إعادة تحديد نطاق الاختصاص التعاقدي بما يضمن شمول اختصاص المحامي لمختلف العقود والاتفاقيات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي والتجاري والمدني، مع استثناء العقود والتصرفات المرتبطة بالحقوق العينية العقارية.

كما دعا المجلس إلى مراجعة نطاق اختصاص “وكيل المهن الرياضية والفنية” الممنوح للمحامي، بما يضمن وضوح الحدود الفاصلة بين النشاط القانوني الخاضع لقواعد التنافي المهني، والنشاط الاقتصادي القائم على الوساطة والتفاوض والتدبير التعاقدي، حتى لا يؤدي الخلط بين هذه المجالات إلى التأثير على شفافية المنافسة داخل السوق.

وعلى مستوى التوازن المجالي، اقترح المجلس إقرار “منحة التوطين المهني” لفائدة المحامين الشباب، الذين تقل مدة ممارستهم عن خمس سنوات، والذين يختارون فتح مكاتبهم في الأقاليم والعمالات التي تعاني من خصاص في الكثافة المهنية، وذلك عبر نظام تحفيزي ضريبي واجتماعي يساهم في معالجة الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات القانونية.

وكشفت المعطيات التي استند إليها المجلس أن عدد المحامين الممارسين ارتفع من 10 آلاف و623 محاميا سنة 2015 إلى 15 ألفا و897 محاميا سنة 2025، أي بزيادة بلغت 5274 محاميا خلال عشر سنوات، وبنسبة نمو إجمالية تقارب 49.65 في المائة. غير أن هذا النمو، بحسب المجلس، لا يخفي استمرار اختلالات في التوزيع الجغرافي للمحامين، حيث يستحوذ محور الدار البيضاء والرباط على نسبة مهمة من مجموع المحامين بالمملكة.

وأشار المجلس إلى أن المغرب يسجل معدلا يقارب محاميا واحدا لكل 2317 نسمة، وهو معدل يعكس محدودية الكثافة المهنية مقارنة بدول مرجعية مثل إسبانيا، التي تعتمد تقريبا محاميا واحدا لكل 319 نسمة، ما يكشف عن فجوة هيكلية في مستوى التغطية القانونية قد تؤثر على الولوج إلى العدالة وجودة المواكبة القانونية المتاحة للمتقاضين.

وفي ما يخص امتحانات الولوج إلى المهنة، أبرزت المعطيات ارتفاعا كبيرا في عدد المرشحين خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل العدد من 9926 مترشحا سنة 2015 إلى 70 ألفا و947 مترشحا سنة 2022، قبل أن يتراجع إلى 48 ألفا و687 مترشحا سنة 2023. وفي المقابل، عرفت نسب النجاح منحى تنازليا واضحا، إذ انخفضت من 24.37 في المائة سنة 2015 إلى 7.88 في المائة سنة 2019، ثم إلى 2.81 في المائة سنة 2022، قبل أن ترتفع نسبيا إلى 5.22 في المائة سنة 2023.

واعتبر المجلس أن هذه المؤشرات تعكس، من جهة، تزايد جاذبية المهنة واتساع قاعدة الراغبين في الولوج إليها، لكنها تبرز، من جهة أخرى، فجوة بين حجم الطلب على الولوج إلى مهنة المحاماة والقدرة الاستيعابية الفعلية لها، ما يستدعي مراجعة آليات التكوين والتأهيل والولوج.

وفي محور تحديث البنية التنظيمية والاقتصادية للمهنة، أوصى مجلس المنافسة باعتماد صيغ تنظيمية أكثر انفتاحا، تسمح بإحداث مكاتب مهنية متعددة الاختصاصات، تدمج بين المحامين وغيرهم من المهنيين، خاصة الخبراء المحاسبين ومستشاري الضرائب والمتخصصين في المجالات المالية والاقتصادية، على غرار بعض النماذج المقارنة، خصوصا التجربتين الفرنسية والإسبانية.

وأوضح المجلس أن هذا التوجه لا ينبغي أن يمس باستقلالية المحامي أو السر المهني أو قواعد منع تضارب المصالح، بل يهدف إلى الانتقال نحو عرض مهني مندمج يستجيب لانتظارات المستثمرين الوطنيين والدوليين، ويوفر مخاطبا مهنيا موحدا يقدم استشارة قانونية ومالية واقتصادية شاملة، بما يرفع جودة الخدمات القانونية المقدمة للمقاولة ويعزز تنافسية الفاعلين الوطنيين.

كما ربط المجلس تحديث مهنة المحاماة بضرورة مواكبة التحول الرقمي والابتكار القانوني، داعيا إلى اعتماد إطار تنظيمي مرن يراعي متطلبات الأمن الرقمي وسرية معطيات الموكلين، ويواكب تطور الممارسة المهنية في بيئة رقمية متسارعة.

وفي هذا الصدد، أوصى بتطوير ميثاق أخلاقي للرقمنة المهنية، يحدد قواعد استخدام أدوات التكنولوجيا القانونية “Legal Tech”، ويوضح مسؤولية المحامي عند توظيف التقنيات الرقمية في تقديم الخدمات القانونية، بما يعزز الجودة ويحمي مصالح الموكلين.

واقترح المجلس كذلك تشجيع الشراكات التكنولوجية المهنية بين مكاتب المحامين ومزودي الحلول التكنولوجية، تحت إشراف الهيئات المهنية، لتطوير حلول رقمية في تدبير الملفات والتتبع الإلكتروني، بما يراعي متطلبات السر المهني.

وفي مجال التواصل المهني والإشهار، دعا المجلس إلى تبني نموذج للتواصل المهني يتيح للمتقاضين الوصول إلى معلومات موضوعية حول تخصصات المحامين وخبراتهم، بما يحد من ظاهرة عدم تماثل المعلومات ويعزز شفافية السوق. كما أوصى بإرساء ميثاق للتواصل الرقمي المهني يحدد ضوابط الحضور الرقمي للمحامي، سواء عبر المواقع الإلكترونية المهنية أو شبكات التواصل الاجتماعي، مع استبدال منطق الترخيص المسبق بالمراقبة اللاحقة.

كما أوصى بالسماح للمحامي بالتعريف الموضوعي بمجالات تخصصه وخبرته، مثل قانون الأعمال أو الملكية الفكرية أو التحكيم الدولي، ومنع الإعلانات المقارنة أو العبارات التفضيلية من قبيل “الأفضل” أو “الأكثر”، حفاظا على أخلاقيات المهنة وشفافية المعلومة المقدمة للموكل.

وفيما يتعلق بنظام المساعدة القضائية، أوصى المجلس بوضع معايير موضوعية وموحدة للإسناد، تضمن تكافؤ الفرص وتحد من تركيز القضايا، وذلك عبر اعتماد منصة رقمية موحدة للتعيين، تقوم بالتوزيع الآلي والموضوعي للملفات وفق معايير مضبوطة، بما يحد من التدخل التقديري المباشر ويضمن عدالة توزيع القضايا بين المحامين.

وخلص مجلس المنافسة إلى أن إصلاح مهنة المحاماة لا ينبغي أن يقتصر على تعديل النصوص القانونية، بل يجب أن يشكل ورشا استراتيجيا يوفق بين استقلالية المهنة ومكانتها داخل منظومة العدالة، وبين متطلبات الانفتاح الاقتصادي وتطوير سوق خدمات قانونية أكثر جودة وتنافسية وشفافية.

العمق المصدر: العمق
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا