أكدت وزارة الداخلية أن تقليص التفاوتات المجالية داخل الجهات يشكل أولوية استراتيجية ضمن السياسات العمومية، باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق التنمية المتوازنة وتعزيز العدالة المجالية، وذلك انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية وأهداف النموذج التنموي الجديد.
وأوضح وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت في جواب على سؤال برلماني حول موضوع “التفاوتات المجالية داخل الجهات”، أن هذا الورش يتم تنزيله عبر مقاربة تشاركية بين مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية ومجالس الجهات، من خلال برامج ومشاريع مهيكلة تستهدف تقليص الفوارق، خصوصاً في المجالات القروية وشبه الحضرية.
التعاقد الترابي كآلية مركزية لتوجيه الاستثمار
وأبرزت الوزارة أن التعاقد الترابي بين الدولة والجهات يشكل إحدى الركائز الأساسية لهذه المقاربة، حيث يتيح إدماج الجماعات الترابية ضمن منظومة التخطيط الاستراتيجي، وتمكينها من الولوج إلى تمويلات إضافية موجهة لمعالجة الخصاص البنيوي داخل المجالات الجهوية.
كما تعمل هذه الآلية على إدراج مشاريع الجماعات والأقاليم، خاصة بالمناطق الأقل تجهيزا، ضمن الأولويات الاستراتيجية للتدخل العمومي، باعتبارها مشاريع مهيكلة ذات أثر مباشر على تقليص الفوارق، وفق منطق الإنصاف المجالي والتماسك الترابي.
وفي هذا السياق، أفادت الوزارة بأنه تمت برمجة حوالي 100 مليار درهم في إطار برامج التنمية الجهوية للفترة 2022-2027، موجهة لإنجاز مشاريع تدخل ضمن اختصاصات الجماعات الترابية، بما يعكس الدور المحوري لهذه البرامج في تقليص الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي وتعزيز التنمية المندمجة.
وأكدت الوزارة أن “الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة” يمثل رافعة مركزية لتقليص الفوارق داخل الجهات، من خلال تشخيص ترابي دقيق يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية ومستويات الهشاشة، وتوجيه الاستثمارات العمومية نحو المجالات الأقل استفادة.
وتقوم هذه المقاربة على تعزيز التكامل بين مختلف المتدخلين وتوحيد التدخلات العمومية ضمن برامج مندمجة ذات أثر ملموس، مع اعتماد التخطيط الترابي كمدخل أساسي لإعداد وتتبع وتنفيذ المشاريع التنموية.
وفي هذا الإطار، خصص قانون المالية لسنة 2026 غلافا ماليا أوليا قدره 20 مليار درهم لإطلاق هذه البرامج، على أن تبلغ كلفتها الإجمالية على مدى ثماني سنوات حوالي 210 مليارات درهم، في خطوة تعكس حجم الالتزام المالي للدولة من أجل تقليص الفوارق المجالية وتعزيز التماسك الترابي.
وفي ما يتعلق بآليات التنفيذ، أوضحت وزارة الداخلية أنه سيتم إحداث شركات مساهمة جهوية، يترأس مجلس إدارتها رؤساء الجهات، لتحل محل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، وذلك بهدف تعزيز نجاعة التدبير وتحسين الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما تهدف هذه الخطوة إلى الجمع بين مرونة التدبير وفعالية الأداء من جهة، وضمان الرقابة العمومية من جهة أخرى، بما يضمن تسريع إنجاز المشاريع وتحقيق أثرها التنموي.
تتبع برامج التأهيل الحضري
وفي سياق متصل، أبرزت الوزارة أنها تواصل تتبع تنفيذ برامج التأهيل الحضري للمدن والمراكز الحضرية، الهادفة إلى تعزيز جاذبية المدن وتحسين ظروف عيش الساكنة، من خلال تأهيل البنيات التحتية والمرافق العمومية وتوفير تجهيزات القرب.
وتتم هذه البرامج في إطار مقاربة تشاركية ومندمجة، تعتمد على إدماج جهود الجماعات الترابية ضمن رؤية شمولية تجمع بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، مع برمجة متعددة السنوات.
كما تستفيد المدن الكبرى من مشاريع مهيكلة ذات بعد استراتيجي، تروم دعم وظائفها الاقتصادية وتعزيز دورها كأقطاب جهوية كبرى قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل.
برنامج تقليص الفوارق في الوسط القروي
وفي ما يتعلق بالمجال القروي، أكدت الوزارة مواصلة تتبع برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية بالوسط القروي (2017-2023)، الذي أطلق تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية الواردة في خطاب العرش لسنة 2015، بهدف تعزيز العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
وقد بلغت الميزانية الإجمالية لهذا البرنامج حوالي 50 مليار درهم، بتمويل مشترك بين القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والمجالس الجهوية، في إطار مقاربة تشاركية تستهدف تقليص الفوارق في البنيات التحتية والخدمات الأساسية.
وتمت تعبئة هذا الغلاف المالي عبر مخططات عمل جهوية سنوية، حيث جرى إعداد 7 مخططات لتنمية المجال القروي والمناطق الجبلية.وبلغت الاعتمادات المرصودة فعليا 46,75 مليار درهم، بنسبة إنجاز تقارب 94% من الاعتمادات المبرمجة، فيما بلغت الاعتمادات الملتزم بها 45,44 مليار درهم، أي ما يعادل 98% من الغلاف المالي المرصود.
توزيع الاستثمارات حسب القطاعات
وحسب معطيات الوزارة، توزعت الاعتمادات على خمسة مجالات رئيسية، همّت أساسا:
• الطرق والمسالك القروية: 71% بما يعادل 35,4 مليار درهم
• التزود بالماء الصالح للشرب: 6 مليارات درهم (12%)
• قطاع التعليم: 5 مليارات درهم (10%)
• الكهربة القروية: 2 مليار درهم (4%)
• قطاع الصحة: 1,4 مليار درهم (3%)
وتؤكد هذه الأرقام، بحسب الوزارة، التركيز على البنيات التحتية الأساسية باعتبارها مدخلاً لتحفيز التنمية المحلية وتحسين ظروف عيش الساكنة القروية.
تتبع وتقييم وتوجيه الاستثمارات
وفي هذا الإطار، تعمل وزارة الداخلية، من خلال اللجنة الوطنية لتنمية المجال القروي والمناطق الجبلية، على تتبع تنفيذ البرامج الجهوية ومواكبة اللجان المحلية، بهدف تسريع وتيرة إنجاز المشاريع وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر خصاصا.
ويتم ذلك اعتمادا على مقاربة التخطيط الترابي التشاركي، المبني على استهداف الدواوير والجماعات ذات الخصاص، عبر خرائط مجالية دقيقة ترصد الفوارق القطاعية والمجالية وتحدد الأولويات على أساس معطيات ميدانية.
وأكدت وزارة الداخلية أنها، بتنسيق مع مجالس الجهات، تعمل على تطوير منظومة مؤشرات مجالية موضوعية، تسمح بتتبع تطور الفوارق داخل الجهات وتقييم أثر البرامج والمشاريع العمومية.
كما يتم إدماج معايير الإنصاف المجالي في برمجة الاستثمارات، مع الأخذ بعين الاعتبار مستوى التجهيز والبنيات التحتية والهشاشة الاجتماعية والحاجيات الفعلية للمجالات الترابية، بما يضمن توجيه أفضل للموارد العمومية وتحقيق تنمية أكثر توازناً.
المصدر:
العمق