كشفت جائحة “كوفيد-19” عن وجوه متعددة للمجتمعات المعاصرة؛ فمن جهة أظهرت قدرة الدول على تعبئة موارد هائلة لحماية مواطنيها، ومن جهة أخرى كشفت هشاشة فئات واسعة من كبار السن الذين وجدوا أنفسهم في قلب المأساة. وبعد سنوات قليلة فقط، عادت موجات الحر الشديدة التي تضرب أوروبا وأمريكا الشمالية لتعيد طرح السؤال نفسه: ما مكانة المسنين في المجتمعات الحديثة؟ وهل نحن أمام أزمة تضامن اجتماعي متنامية؟
في إيطاليا، التي كانت من أكثر الدول تضررا خلال الموجة الأولى من “كوفيد-19″، تحولت دور رعاية المسنين إلى رمز للمأساة الإنسانية. فقد سجلت أعداد كبيرة من الوفيات بين كبار السن، ليس فقط بسبب خطورة الفيروس، بل أيضا نتيجة الضغط الهائل على المنظومة الصحية وصعوبة توفير الرعاية للجميع في الوقت المناسب. وفي فرنسا، أثارت وفاة آلاف المسنين داخل دور الرعاية أو في منازلهم نقاشا واسعا حول العزلة الاجتماعية التي يعيشها كبار السن داخل مجتمع متقدم اقتصاديا لكنه يشهد تراجعا متواصلا للروابط الأسرية التقليدية.
واليوم يتكرر المشهد بشكل مختلف مع موجات الحر؛ ففي كل صيف تقريبا تعلن السلطات الأوروبية عن وفاة المئات أو الآلاف من كبار السن نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. ورغم وجود أنظمة إنذار ومخططات وقائية، إلا أن العديد من الضحايا يكونون أشخاصا يعيشون بمفردهم، بعيدا عن الأبناء أو الأقارب أو شبكات الدعم الاجتماعي. إن الموت هنا لا ينتج فقط عن الحرارة، بل عن العزلة أيضا.
لقد كشفت هذه الوقائع أن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي لا يعوض دائما ضعف العلاقات الإنسانية. فحين يصبح المسن يعيش وحيدا في شقة مغلقة، ويغيب عنه التواصل اليومي مع أسرته أو محيطه، يصبح أكثر عرضة للمخاطر الصحية مهما كانت جودة الخدمات الطبية المتوفرة.
في المقابل، أظهرت التجربة المغربية خلال جائحة “كوفيد-19″ صورة مختلفة إلى حد كبير. فعلى الرغم من محدودية الموارد مقارنة بالدول الغربية، برزت أشكال متعددة من التضامن المجتمعي. فقد انخرطت الأسر في رعاية كبار السن، وتكفلت العائلات الممتدة بمساعدة أفرادها الأكثر هشاشة، كما انتشرت مبادرات الإحسان والتكافل وتوزيع المساعدات الغذائية على المحتاجين. ولم يكن الأمر مجرد استجابة ظرفية للأزمة، بل تعبيرا عن منظومة قيم متجذرة في المجتمع المغربي.
وتجلى هذا الأمر بشكل أوضح خلال زلزال الحوز سنة 2023. ففي الساعات الأولى بعد الكارثة، تدفقت قوافل المساعدات من مختلف جهات المملكة، وساهم المواطنون والجمعيات والقطاع الخاص في تقديم الدعم للمتضررين. لقد شعر المغاربة بأن المصاب واحد وأن التضامن واجب جماعي، وهو ما أعطى صورة قوية عن تماسك المجتمع وقدرته على التعبئة في أوقات الشدة.
هذه الروح الجماعية ترتبط بما أصبح يعرف بمفهوم “التمغربيت”، أي ذلك المزيج من الانتماء الوطني والتعدد الثقافي والتضامن الاجتماعي والتشبث بالمشترك الوطني. فـ”التمغربيت” ليست مجرد شعار هوياتي، بل هي أيضا منظومة سلوكية تتجلى في احترام كبار السن، وصلة الرحم، والتكافل بين الجيران، والتعبئة الجماعية عند الأزمات.
غير أن هذا الرصيد القيمي ليس بمنأى عن التحديات. فالمغرب يعرف بدوره تحولات اجتماعية عميقة مرتبطة بالتمدن والهجرة الداخلية والخارجية وتغير أنماط الأسرة. كما أن الأجيال الجديدة تتأثر بأنماط عيش أكثر فردانية بفعل العولمة والثورة الرقمية. وإذا لم تتم المحافظة على قيم التضامن، فقد يجد المغرب نفسه مستقبلا أمام الإشكالات نفسها التي تعاني منها بعض المجتمعات الغربية اليوم.
وتزداد أهمية هذا النقاش في ضوء المعطيات الديموغرافية الجديدة. فحسب توقعات المندوبية السامية للتخطيط، فإن عدد المسنين في المغرب سيتجه خلال العقود المقبلة نحو حوالي خمسة ملايين شخص. وهذا يعني أن المجتمع المغربي سيدخل مرحلة جديدة عنوانها شيخوخة السكان، وهي مرحلة تتطلب سياسات عمومية متقدمة في مجالات الصحة والرعاية الاجتماعية والحماية الأسرية.
لكن التحدي ليس مؤسساتيا فقط، بل ثقافي أيضا. فبناء دور الرعاية والمستشفيات أمر ضروري، لكنه لا يكفي إذا فقد المجتمع روابطه الإنسانية. إن أكبر درس يمكن استخلاصه من تجارب “كوفيد” وموجات الحر في أوروبا هو أن المسن لا يحتاج فقط إلى سرير في مستشفى أو جهاز تكييف، بل يحتاج أيضا إلى أسرة تسأل عنه، وجار يطمئن عليه، ومجتمع يعتبر رعايته مسؤولية جماعية.
لذلك، فإن الحفاظ على “التمغربيت” لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بالماضي فقط، بل يجب أن يتحول إلى مشروع مجتمعي يربط بين التنمية الاقتصادية والقيم الإنسانية. فكما نجح المغرب في إظهار قوة تضامنه خلال جائحة “كوفيد” وزلزال الحوز، فإنه مطالب اليوم بالاستعداد لتحديات الشيخوخة السكانية المقبلة عبر ترسيخ ثقافة الرعاية بين الأجيال وتعزيز مكانة كبار السن داخل الأسرة والمجتمع.
إن الفرق الحقيقي بين المجتمعات لا يقاس فقط بحجم ثرواتها أو تطورها التكنولوجي، بل بقدرتها على حماية أضعف فئاتها. وإذا كانت مأساة المسنين خلال “كوفيد” وموجات الحر قد كشفت بعض مظاهر أزمة التضامن في الغرب، فإنها في الوقت نفسه توجه رسالة إلى المغرب: المحافظة على قيم التكافل ليست مسألة أخلاقية فحسب، بل هي استثمار استراتيجي في مستقبل المجتمع واستقراره وتماسكه.
فحين يصبح عدد المسنين خمسة ملايين مغربي، سيكون السؤال الحاسم هو: هل نجحنا في نقل روح التضامن التي ميزتنا عبر التاريخ إلى الأجيال القادمة أم تركناها تتآكل تحت ضغط التحولات الاجتماعية الجديدة؟
المصدر:
هسبريس