انطلقت، اليوم الاثنين، برحاب جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية (UM6P) بالعاصمة الرباط فعاليات “مؤتمر صندوق النقد الدولي البحثي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام 2026” (2026 IMF MENA Research Conference)، والذي يحمل هذا العام عنوانا استراتيجيا بارزا: “إعادة التفكير في تكامل منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في ظل بيئة عالمية سريعة التغير”.
وقد جمع اللقاء، الممتد بالجامعة ذاتها على مدى يومين (29 و30 يونيو)، نخبة من صناع السياسات المالية والخبراء الدوليين والأكاديميين، بهدف “صياغة رؤية اقتصادية مرنة قادرة على انتشال المنطقة من تداعيات الأزمات المتلاحقة”.
في كلمته الافتتاحية، وضع جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، النقاط على الحروف فيما يخص الوضع الراهن للمنطقة وما يعتمل فيها من تحديات لا تزال جارية.
وركّز أزعور في طرحه أمام المشاركين على نقاط أقوى و”الأكثر إلحاحا” في السياق الاقتصادي الإقليمي الراهن، واصفا ما نمر به “منعطفَ صدمات متداخلة”، حسب تعبيره.
وأكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي أن “المنطقة تعيش تقاطعا معقدا بين التوترات الجيوسياسية الحادة، واضطرابات أسواق الطاقة، وتغير الشروط المالية العالمية”، مستحضرا إلى “التداعيات الإنسانية والسياسية والماكرو-اقتصادية القاسية التي خلّفتها الأحداث الأخيرة”.
كما تحدث المسؤول ذاته بالإدارة الإقليمية لصندوق النقد الدولي عن “اختبار مرونة الأطر السياسية”، موضحا أن “هذه الضغوط المتزايدة تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي الإقليمي بشكل متسارع؛ مما يضع مرونة أطر السياسات الوطنية في اختبار حقيقي غير مسبوق”.
باسطا ما وصفه “التحول الهيكلي كطوق نجاة”، شدد أزعور على أن “الهدف الأسمى للمؤتمر هو الإجابة عن سؤال محوري: كيف يمكن لدول المنطقة إدارة الصدمات المتتالية دون التضحية بالتحوّل الهيكلي طويل الأجل؟”، قبل أن يتوجه بدعوة صريحة إلى “ضرورة تطويع السياسات الاقتصادية لتناسب الخصوصية الفردية لكل دولة”.
وسجل أزعور، الذي شغل منصب وزير المالية اللبناني من عام 2005 وحتى 2008، أن “التحديات الراهنة من تفتُّتٍ جيواقتصادي، وتحول في الطاقة، وثورة تكنولوجية، تفرض علينا توظيف البحث الأكاديمي لإعادة صياغة نماذج النمو وتثبيت الاستقرار الماكرو-اقتصادي”.
أمام الباحثين المشاركين استعرض أزعور الجلسات التحليلية التي سيتناولها المؤتمر، معتبرا إياها “حَجَر الأساس لبناء شبكة إقليمية مستدامة قادرة على ابتكار الحلول”، وتتمثل أولاها في “التفتت/ التشرذم الجيواقتصادي.. دراسة شبكات التجارة والإنتاج العالمية وكيفية تعزيز التكامل الإقليمي”.
وتثير الجلسات أيضا “الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي” من خلال “بحث القدرات التحويلية للتكنولوجيا وتأثيرها المباشر على الإنتاجية، سوق العمل، والحد من عدم المساواة”.
كما تتطرق، وفق المسؤول الإقليمي عينه، إلى “التركيز على خلق فرص العمل، الرفع من المشاركة الاقتصادية للمرأة، ومواءمة المهارات مع متطلبات الاقتصاد الحديث”، فضلا عن محور “السياسات النقدية والمالية: مواجهة معضلات الاستقرار الماكرو-اقتصادي، وإدارة الديون السيادية، وتكلفة التمويل المتصاعدة”.
أضفى كريم العيناوي، نائب الرئيس التنفيذي وعميد جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، “بُعدا نقديا وعمليا” على النقاش، موجّها رسائل قوية تعكس واقع الاقتصاديين في عام 2026.
وأعلن العيناوي، صراحة، أن “توافق واشنطن (Washington Consensus) “قد مات منذ زمن طويل، ولم تعد هناك وصفات اقتصادية جاهزة”.
وأشار عميد جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية إلى أن صناع السياسات اليوم يعيشون “حالة من التخبط بسبب التضليل الاقتصادي وغياب الرؤية الواضحة”؛ مما يتطلب من الأكاديميين ابتكار “صيغة كيميائية خاصة” (Alchemy) تناسب سياق كل بلد بناء على “التفاعل بين الأفراد والمؤسسات”.
وعن توافر البيانات في المنطقة انتقد العيناوي بشدة أزمة شح وإتاحة البيانات في منطقة “مينا” وفي المغرب تحديدا، واصفا الأمر بـ”السيكودراما المحيطة بالبيانات”.
وفي هذا الصدد، أوضح أنه، بحلول عام 2026، لا يزال بعض الباحثين وطلاب الدكتوراه عاجزين عن إتمام أبحاثهم لغياب المعطيات الإحصائية، مؤكدا أن “الجامعة طوّرت قدرات ذاتية لجمع البيانات لكن الوضع العام يحتاج إلى “تحليل نفسي” وعلاج عاجل لفك هذا الحصار عن المعرفة”.
وشدد الرئيس التنفيذي لـ”UM6P” على أن “الاقتصادي الناجح اليوم لا يمكنه الاكتفاء بالأرقام أو الابتهاج الأعمى بارتفاع الصادرات أو المؤشرات (…) بل يجب أن يتسلح بثقافة واسعة في التاريخ، الفلسفة، السياسة، والحضارة؛ لأن الاقتصاد في جوهره بات يدار بدوافع سياسية تفتقر أحيانا للعقلانية الاقتصادية المحضة”.
واختتم العيناوي كلمته بالتعريف بفلسفة جامعة (UM6P) القائمة على “الترخيص الاجتماعي” والاستثمار المستدام لأرباح (OCP)، مشيرا إلى أن الجامعة تسعى إلى صناعة “جامعة القرن الحادي والعشرين” عبر بنية تحتية فكرية وعملية ضخمة.
كما استعرض نجاحات البرامج الأكاديمية بالجامعة (مثل ماستر السياسات العامة MPP المتخصص في البنوك المركزية والتقييم الكمي)، “حيث يجد 95 في المائة من الخريجين فرص عمل واعدة في غضون أشهر قليلة”، مؤكّدا “التزام الجامعة بوضع العلم في قلب السياسات العمومية وترسيخ القيم الأخلاقية في الممارسة الاقتصادية”.
المصدر:
هسبريس