في تطور جديد بخصوص ملف “دعم استيراد المواشي”، الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في الساحة السياسية، تتجه الأنظار إلى المبادرة البرلمانية الرامية إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وسط اتهامات متبادلة بين الأغلبية والمعارضة بشأن خلفيات التحرك وتوقيته، في ظل اقتراب نهاية الولاية التشريعية.
وكشفت مصادر برلمانية من داخل الأغلبية أن التحاق مكونات منها بمبادرة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لا يعدو أن يكون “مناورة سياسية” تهدف إلى كسب الوقت، بالنظر إلى أن الولاية التشريعية لم يعد يفصلها عن نهايتها سوى أيام معدودة، ما يجعل استكمال المسطرة الدستورية لتشكيل اللجنة وإنجاز مهامها أمرا بالغ الصعوبة.
وأكدت المصادر ذاتها أن بعض مكونات الأغلبية تسعى من خلال هذه الخطوة إلى الظهور بمظهر المدافع عن مصالح المواطنين والمنخرط في كشف حقيقة ملف الدعم، بما يسمح لها بكسب تعاطف الرأي العام واستثمار ذلك انتخابيا، خاصة في ظل الجدل الواسع الذي أثاره ملف دعم استيراد المواشي وارتفاع أسعار اللحوم.
إقرأ أيضا: البرلمان يحدد الاثنين المقبل للحسم في هيكلة لجنة تقصي حقائق دعم “الفراقشية”
وترى المصادر أن المبادرة تحمل في طياتها هدفا سياسيا آخر يتمثل في تفويت الفرصة على المعارضة للانفراد بحصد المكاسب السياسية والإعلامية المرتبطة بملف ينتظر الرأي العام الكشف عن تفاصيله، وذلك عبر إشراك جزء من الأغلبية في المبادرة بما يخفف من وقع الانتقادات الموجهة للحكومة.
وتضيف المصادر أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في اللجوء إلى تمطيط الآجال الدستورية والإجرائية الخاصة بتشكيل اللجنة، قبل الانتقال إلى تأجيل الحسم في هيكلتها أو افتعال خلافات جانبية بشأن رئاستها وتركيبتها واختصاصاتها، بما يؤدي عمليا إلى استنفاد ما تبقى من عمر الولاية التشريعية دون خروج اللجنة إلى حيز الوجود.
مناورة انتخابية
في المقابل، تؤكد مصادر من المعارضة أنها تدرك ما تصفه بـ”مناورة الأغلبية”، مشددة على أنها لن تسمح بتحويل ملف دعم استيراد المواشي إلى ورقة انتخابية أو وسيلة لتبييض الصورة السياسية لبعض مكونات الأغلبية.
وأوضحت المصادر أن المعارضة متمسكة بإخراج لجنة تقصي الحقائق إلى حيز الوجود، باعتبارها آلية دستورية لمساءلة المسؤولين والكشف عن ملابسات تدبير الأموال العمومية المخصصة لدعم استيراد المواشي، مؤكدة أنها ستواصل الضغط من أجل استكمال مختلف الإجراءات القانونية داخل البرلمان.
وحسب المصادر نفسها، فإن المعارضة ستضع الأغلبية أمام اختبار حقيقي للرأي العام، فإذا تبين أن المبادرة لا تتجاوز حدود المناورة السياسية وكسب الوقت، فإن ذلك سيؤكد، بحسب تعبيرها، أن الهدف لم يكن كشف الحقيقة، وإنما احتواء الغضب الشعبي وتدبير تداعيات الملف انتخابيا.
ويعيد هذا السجال إلى الواجهة تساؤلات عديدة بشأن توقيت فتح الملف، بعدما ظل مطلب تشكيل لجنة لتقصي الحقائق مطروحا منذ أشهر، قبل أن يتحول إلى مبادرة مشتركة في الأمتار الأخيرة من الولاية التشريعية، وهو ما يثير شكوكا حول مدى توفر الإرادة السياسية الحقيقية لإنجاز مهمة اللجنة قبل انتهاء الولاية.
كما يثير تحريك أقوى آلية رقابية برلمانية في هذا التوقيت بالذات، طبيعة العلاقة داخل مكونات الأغلبية الحكومية، خاصة بعد انخراط بعض أحزابها في المبادرة مقابل تحفظ مكونات أخرى، وهو ما يقرأه متابعون باعتباره مؤشرا على تباين في المواقف السياسية بشأن تدبير أحد أكثر الملفات حساسية قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وبين اتهامات الأغلبية للمعارضة بالسعي إلى استثمار الملف سياسيا، واتهامات المعارضة للأغلبية بمحاولة الالتفاف على المبادرة عبر استهلاك الزمن المؤسساتي، يبقى مصير لجنة تقصي الحقائق رهينا بما ستكشف عنه الأيام القليلة المقبلة، في وقت يترقب فيه الرأي العام ما إذا كانت المؤسسة التشريعية ستنجح في تفعيل إحدى أهم آليات الرقابة البرلمانية، أم أن ضيق الزمن التشريعي سيحول دون ذلك، ليبقى الملف مؤجلا إلى الولاية المقبلة.
توظيف سياسي
الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، مريم ابليل، اعتبرت في تصريح لجريدة “العمق”، أنه من الطبيعي أن يكتسي ملف بهذا الحجم بعدا سياسيا، خاصة مع اقتراب الانتخابات التشريعية، لأن الأحزاب، سواء في المعارضة أو الأغلبية، تسعى إلى التموضع أمام الرأي العام وإبراز مواقفها، مضيفة أنه ” من الصعب فصل مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق عن السياق الانتخابي الحالي”.
وأوضحت ابليل أن الإشكال لا يكمن في وجود توظيف سياسي للملف في حد ذاته، معتبرة أن ذلك “أمر مألوف في الأنظمة الديمقراطية، وفي المغرب أيضا”، وإنما في أن يتحول هذا التوظيف إلى الغاية الوحيدة على حساب الوظيفة الدستورية للرقابة البرلمانية.
وأكدت أن الحكم الحقيقي على المبادرة لن يكون من خلال النوايا أو الخطابات السياسية، بل من خلال ما إذا كانت اللجنة سترى النور، وما ستخلص إليه من نتائج، وما إذا كانت ستفضي إلى مساءلة فعلية وترتيب للآثار القانونية والسياسية.
وأضافت أنه إذا انتهى الأمر دون نتائج واضحة أو محاسبة، فإن ذلك من شأنه أن يعمق أزمة الثقة في المؤسسة البرلمانية، ويعزز الانطباع بأن مثل هذه المبادرات لا تتجاوز تدبير الصورة السياسية في سياق انتخابي.
وحول المخاوف من استغلال الملف ورقة انتخابية، أكد رشيد حموني رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، أن المعارضة واعية بهذا الأمر وستحيط المبادرة بكل الضمانات الضرورية.
وفي نفس الاتجاه، سجل أحمد التويزي رئيس فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب حرص فريقه، إلى جانب الفريقين الاستقلالي والاتحاد الدستوري، على توفير جميع شروط نجاح هذه المبادرة البرلمانية التي ينتظرها الرأي العام الوطني، بهدف “تبديد كل الشكوك والاستفهامات التي رافقت ما عُرف بدعم “الفراقشية”.
وفي المقابل، شددت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، مريم ابليل على أنه لا ينبغي التقليل من أهمية مجرد فتح هذا الملف داخل البرلمان، لأنه ينقل قضية شغلت الرأي العام إلى فضاء الرقابة والمساءلة المؤسساتية، ويضع مختلف الفاعلين أمام مسؤولية تقديم التفسيرات والمعطيات بشأن تدبير الدعم العمومي.
أدوات انتخابية
وترى المتحدثة أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين حق الفاعلين السياسيين في توظيف القضايا ضمن التنافس الديمقراطي، وبين ضمان ألا تتحول آليات الرقابة الدستورية إلى أدوات انتخابية ظرفية تفقدها فعاليتها ومصداقيتها.
ولفتت ابليل إلى أن أهمية المبادرة تزداد بالنظر إلى ندرة اللجوء إلى آلية تقصي الحقائق في التجربة البرلمانية المغربية، مبرزة أن آخر لجنة لتقصي الحقائق شُكلت سنة 2010، فيما مرت ثلاث ولايات تشريعية كاملة دون إحداث أي لجنة من هذا النوع، وهو ما يجعل المبادرة الحالية محط اهتمام سياسي ومؤسساتي، ويضاعف الرهانات المرتبطة بمآلاتها.
جدير بالذكر أن القانون التنظيمي للجان تقصي الحقائق يحدد مسارات دقيقة لعملها؛ ففي حال تشكيلها بمبادرة ملكية، تُشكل فورا وتشتغل وفق القانون ليرفع رئيس المجلس تقريرها إلى الملك داخل أجل لا يتعدى شهراً من مناقشته.
أما إذا كانت المبادرة برلمانية (من أحد المجلسين)، فيتولى رئيس المجلس إشعار رئيس الحكومة فور التوصل بالطلب داخل أجل 3 أيام. ويلتزم رئيس الحكومة داخل أجل 15 يوما بإفادة المجلس ما إذا كانت الوقائع المعنية موضوع متابعات قضائية جارية؛ وفي حال تأكيد وجود متابعة قضائية مفتوحة، ينص القانون على أنه “لا يمكن أن يكون طلب تشكيل اللجنة موضوع مناقشة، وتوقف المناقشة فوراً إذا كان قد شُرع فيها”، وبخلاف ذلك، يسير رئيس المجلس في إجراءات التشكيل مباشرة.
المصدر:
العمق