أكد وسيط المملكة، حسن طارق، أن مقاربة مؤسسة وسيط المملكة في التعاطي مع موضوع الذكاء الاصطناعي داخل الإدارة العمومية تنطلق من خلفية أساسية تتمثل في حماية حقوق المرتفقين، مع الحرص على التنبيه المستمر إلى الإشكالات القانونية والأخلاقية التي قد يطرحها هذا التحول الرقمي، بالتوازي مع تثمين الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي في تخليق الإدارة والرفع من جودة الخدمات العمومية.
وجاءت هذه المواقف خلال الدرس الافتتاحي الذي ألقاه حسن طارق بمقر مركز دراسات الدكتوراه التابع لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، حول موضوع “الإدارة العمومية بين تحديات الواقع وانتظارات المواطن”.حيث خصص مداخلته لموضوع إدماج الذكاء الاصطناعي في مسارات اتخاذ القرار الإداري، مستعرضاً أبرز الضمانات التي يرى ضرورة استحضارها لضمان توظيف مسؤول وآمن لهذه التكنولوجيا داخل المرافق العمومية.
وأوضح وسيط المملكة أن أولى هذه المحددات تتمثل في الحاجة إلى تأطير قانوني دقيق، بالنظر إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح يعيد عمليا تعريف مفاهيم الإدارة العمومية والقرار الإداري، بل وحتى أدوار الموظف العمومي، وهو ما يستدعي تحديث المنظومة القانونية بما يواكب هذه التحولات.
كما شدد على ضرورة الحرص على مقروئية الخوارزميات التي تتحكم في إنتاج القرار الإداري، داعيا إلى تقديمها بلغة واضحة ومفهومة بعيدة عن التعقيدات الرياضية والتقنية، بما يضمن قابليتها للتفسير ويعزز ثقة المرتفقين في القرارات الصادرة عن الإدارة.
وأكد حسن طارق أن من بين الضمانات الأساسية أيضا الالتزام بالشفافية الكاملة في المعايير التي يتم على أساسها تصميم التطبيقات الرقمية وهندسة الخوارزميات المنتجة للقرار النهائي، تفادياً لما يعرف بـ”التحيز الخوارزمي”، الذي قد يؤدي إلى ممارسات تمس بمبادئ المساواة والإنصاف.
وفي السياق ذاته، شدد على ضرورة التمسك بالمراقبة البشرية لمسار إنتاج القرار الإداري، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يظل أداة مساعدة لصانع القرار، وليس بديلاً عنه، حتى لا يتحول القرار الإداري إلى مجرد خلاصة تقنية ناتجة عن حسابات آلية دون تدخل بشري.
ودعا وسيط المملكة كذلك إلى فتح المجال أمام المواطنين لإبداء الرأي بشأن الهندسة الرقمية التي تؤطر الخدمات العمومية، مع ضمان الحق في الطعن التقني في البناء الخوارزمي للقرار الإداري، باعتبار ذلك من الحقوق الجديدة التي تفرضها التحولات الرقمية المتسارعة.
كما أكد على ضرورة تحميل الإدارة المسؤولية القانونية الكاملة عن مسارات صناعة القرار الإداري ونتائجه، بغض النظر عن الوضعية القانونية للشركات أو الجهات التي قامت بتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي أو تصميم الخوارزميات المعتمدة، مشيراً إلى أن مسؤولية الإدارة تجاه المرتفقين لا يمكن تفويضها أو التنصل منها بسبب الاعتماد على الوسائل التقنية.
وفي ختام محاضرته، سجل حسن طارق أن عددا من القيم الإدارية الجوهرية، مثل الإنصات والإنصاف والضمير المهني، تظل غير قابلة للترجمة التقنية مهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن الإدارة الحديثة تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي لما يوفره من نجاعة وفعالية، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى الذكاء العاطفي والإنساني، وقبل ذلك إلى الذكاء الأخلاقي، لأن جودة المرفق العام لا تصنعها الخوارزميات وحدها، وإنما يصنعها أيضا البعد الإنساني والقيمي الذي يوجه عمل الإدارة ويضمن احترام حقوق المواطنين.
المصدر:
العمق