هبة بريس -إ.السملالي
شهدت فعاليات الدورة الحادية والعشرين لمهرجان “موازين.. إيقاعات العالم” منصةً للتواصل الإنساني والفني الرفيع، تجسدت في الندوة الصحفية التي عقدها الموسيقار والملحن المغربي نعمان لحلو، والتي تحولت إلى كشف حساب فني وفكري اتسم بالصراحة والمكاشفة، متجاوزةً الإطار التقليدي للقاءات الإعلامية لتلامس قضايا الفن والمجتمع والسياسات الثقافية.
واستهل لحلو اللقاء بالتعبير عن اعتزازه المتجدد بمشاركته الثالثة في هذا المحفل الدولي البارز، معلنًا عن مفاجأة فنية من العيار الثقيل تتمثل في قيادته لعرض موسيقي ضخم ترافقه فيه جوقة أوركسترالية تضم سبعين عازفًا ومبدعًا.
هذا الزخم العددي والنوعي يعكس، حسب تعبيره، حرصًا شديدًا على تقديم تجربة بصرية وسمعية متكاملة تليق بجمهور المهرجان.
وفي لفتة وفاءٍ لا تخلو من دلالات ثقافية عميقة، أعلن الموسيقار عن محطتين تكريميتين ضمن عرضه؛ الأولى تحية إكبار للهرم الموسيقي المغربي الحي، الفنان عبد الوهاب الدكالي، والثانية تكريم رمزي لجمهورية مصر العربية في شخص كوكب الشرق أم كلثوم، كعربون وفاء لبلد احتضنه لست سنوات وجمعته به أواصر وجدانية وفنية استثنائية.
وفي معرض تفاعله مع أسئلة المنابر الإعلامية، قدم لحلو قراءة في واقع المشهد الفني المعاصر، معتبرًا أن الجيل الحالي من الفنانين بات يمتلك من أدوات الاكتفاء الذاتي ما يغنيه عن الوساطة أو التبعية.
كما توقف بإشادة خاصة عند تجربة دمج الأصالة بالمعاصرة في الأنماط التراثية كالفن الشعبي وفن العيطة، معتبرًا أن ثلة من المبدعين نجحوا في كسب هذا الرهان بجدارة، مستشهدًا بتجربة الفنان نسيم حداد، الذي كشف بكثير من الأبوة العفوية أن ابنته “راضية” تعد من أشد المعجبات بفنه وحريصة على مواكبة سهراته.
وعن آفاق انخراطه في مشاريع مشتركة مع الطاقات الشابة، أبدى لحلو انفتاحًا مشروطًا، مؤكدًا أن الفيصل الحاسم لقبول أي تعاون هو جودة النص وعمق الكلمات وبلوغها النضج الذي يتوافق مع هويته الموسيقية.
وعلى صعيد آخر، لم يفت الموسيقار التعبير عن فخره بالدينامية الإيجابية التي تشهدها المملكة، مؤكدًا أن اسم “المغرب” بات اليوم علامة رائدة و”ترند” يفرض نفسه بقوة في شتى المحافل والمجالات الدولية.
هذا الحضور الإشعاعي قاده إلى تدوير زاوية النقاش نحو التربية الأسرية، حيث اعترف بصعوبة وتحديات تنشئة الجيل الجديد في العصر الراهن، معتبرًا أن أسلوب الفرض والإملاء لم يعد مجديًا، وأن الدور الحقيقي للآباء يجب أن ينحصر في التوجيه الذكي والإرشاد المرن الذي يحترم خصوصية الأبناء.
ولم تخلُ الندوة من تمرير رسائل مشفرة وأخرى مباشرة حملت عتابًا مؤسساتيًا وازنًا؛ فبينما توجه لحلو بعبارات الشكر والامتنان لوزارة الشباب والثقافة والتواصل على مواكبتها، أبدى عتبه الصريح على وزارة السياحة التي اعتبرها غائبة عن التفاعل مع مشاريعه الفنية، رغم حرصه المتواصل على الاحتفاء بجمالية وتاريخ مجموعة من المدن المغربية والترويج لها عبر أعماله.
وعلق على هذا الجفاء المؤسساتي بأسلوب ساخر وذكي قائلاً: “يمكن ما عندهمش نمرتي”.
وفي ختام اللقاء، تماهى الفنان مع نبض الشارع المغربي وهمومه اليومية، حيث علق بذكاء وبلاغة على معضلة غلاء الأسعار وكلفة الولوج إلى الثقافة، مختزلًا موقفه من أسعار تذاكر الحفلات بروح الدعابة السوداء التي وازنت بين واقعية المواطن وقيمة الإبداع قائلاً:“أنا كون ما كنتش نعمان لحلو، مانجيش نتفرج فنعمان لحلو بـ600 درهم”
المصدر:
هبة بريس