تبدو المؤشرات الأولية للموسم الصيفي لسنة 2026 واعدة بالنسبة للسياحة الداخلية بالمغرب، في ظل التحولات التي تشهدها حركة السفر العالمية جراء التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار تذاكر الطيران. بيد أن هذا الانتعاش المرتقب يضع القطاع السياحي المغربي أمام تحديات حقيقية، تتعلق بقدرات الاستيعاب، وارتفاع الأسعار، وملاءمة العرض السياحي مع القدرة الشرائية للأسر المغربية.
ففي الوقت الذي تتجه فيه أعداد متزايدة من السياح عبر العالم إلى تقليص رحلاتهم الدولية أو إلغائها بسبب ارتفاع تكاليف النقل الجوي، يتوقع المهنيون أن تستفيد الوجهات السياحية المغربية من هذا التحول؛ سواء عبر استقطاب مزيد من السياح الأجانب الباحثين عن وجهات قريبة، أو من خلال ارتفاع إقبال المغاربة على قضاء عطلاتهم داخل البلاد.
ويأتي ذلك في سياق يعزز مكانة المغرب على خارطة السياحة العالمية، بعدما أصبح يحتل المرتبة الثانية والعشرين عالميا من حيث عدد الوافدين، ما يجعل صيف 2026 مرشحا لتسجيل ضغط غير مسبوق على عدد من الوجهات الساحلية، خاصة في محطات الشمال والساحل الأطلسي التي تشهد عادة ذروة الإقبال خلال أشهر الصيف.
السياحة الداخلية.. زبون رئيسي أم ضحية للأسعار؟
ورغم الدينامية التي تعرفها السياحة الداخلية، فإن ملف الأسعار يظل من أكثر الملفات إثارة للجدل. فمع تزايد الطلب خلال الموسم الصيفي، يجد العديد من السياح المغاربة أنفسهم أمام أسعار مماثلة لتلك الموجهة للزبائن الأجانب، سواء في الفنادق المصنفة، أو الإقامات السياحية، أو خدمات النقل والمطاعم.
ويزداد الوضع تعقيدا مع اعتماد أغلب الحجوزات على منصات دولية تستخلص عمولات إضافية، مما ينعكس مباشرة على الكلفة النهائية التي يتحملها السائح المحلي.
وتكشف الأرقام الرسمية عن الأهمية المتزايدة للسياحة الداخلية؛ حيث سجل السياح المغاربة خلال سنة 2025 أكثر من 12 مليون ليلة مبيت بالمؤسسات السياحية المصنفة، أي ما يقارب 28% من إجمالي ليالي المبيت المسجلة بالمملكة. وهي أرقام تؤكد أن المغاربة أصبحوا يشكلون رافعة أساسية للقطاع، بعدما تحول السفر الداخلي إلى خيار مفضل لدى شرائح واسعة من الأسر.
لكن هذه الدينامية تصطدم كل صيف بارتفاع تكاليف الإقامة والتنقل والترفيه، الأمر الذي يدفع عدداً من الأسر إلى تقليص مدة العطلة، أو تغيير وجهتها، أو حتى العدول عن السفر تماماً.
العرض أقل من الطلب
ويؤكد مهنيون أن الإشكال لا يرتبط بالأسعار فحسب، بل بضعف الطاقة الاستيعابية في بعض الوجهات الأكثر طلباً.
وفي هذا السياق، يرى حميد بن الطاهر، رئيس الكونفدرالية الوطنية للسياحة، أن المغاربة أصبحوا الزبون الأول للسياحة الوطنية، مشيراً إلى أن وتيرة نمو السياحة الداخلية تفوق نمو السياحة الدولية منذ عقدين من الزمن.
وأوضح بن الطاهر أن الإقبال المكثف خلال شهر غشت يجعل العثور على عروض متاحة أمرا صعبا في عدد من الوجهات، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين حجم الطلب والعرض المتوفر.
ويرى الفاعلون في القطاع أن تعزيز البنية الإيوائية بالمناطق الساحلية أصبح ضرورة ملحة، غير أن “الموسمية” تظل عائقا أمام المستثمرين؛ إذ يصعب إقناعهم بضخ استثمارات كبيرة في وجهات لا تحقق مستويات ملء مرتفعة إلا خلال شهرين أو ثلاثة أشهر في السنة.
التنشيط السياحي.. الحلقة الأضعف
وإلى جانب إشكالية الطاقة الاستيعابية، يبرز تحد آخر يتعلق بجودة التجربة السياحية نفسها. فبحسب المهنيين، ما زال التنشيط السياحي يمثل نقطة ضعف مزمنة في العديد من الوجهات المغربية، حيث يظل العرض الترفيهي والثقافي محدوداً مقارنة بمنافسين إقليميين ودوليين.
كما يطرح المهنيون ضرورة تطوير منتجات سياحية تتلاءم مع احتياجات الأسر المغربية، خصوصا عبر توفير شقق ومرافق إقامة ذات جودة مقبولة وبأسعار تنافسية تستجيب للقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، التي تشكل العمود الفقري للسياحة الداخلية.
رهان استراتيجي يتجاوز العائد الاقتصادي
مع اقتراب نهاية خارطة الطريق السياحية 2023-2026، تتجه الأنظار إلى موقع السياحة الداخلية ضمن الاستراتيجية الوطنية المقبلة. فالأمر لا يتعلق فقط بعائد اقتصادي مباشر، بل بدور هذا النمط السياحي في تحقيق التوازن المجالي وتوزيع التدفقات السياحية على مختلف جهات المملكة.
وفي الوقت الذي تساهم فيه السياحة الداخلية في إبراز وجهات جديدة خارج الدوائر التقليدية، فإنها تدعم أيضا النشاط الاقتصادي بالمناطق الأقل استفادة من السياحة الدولية، مما يجعلها أداة للتنمية الترابية بقدر ما هي قطاع اقتصادي منتج للقيمة وفرص الشغل.
وبين مؤشرات الانتعاش وضغوط الأسعار ومحدودية العرض، يبدو أن صيف 2026 سيكون اختبارا حقيقيا لقدرة القطاع السياحي المغربي على التوفيق بين جاذبية الوجهة الوطنية، وحق الأسر المغربية في الاستفادة من سياحة داخلية ميسرة ومستدامة.
المصدر:
لكم